حقيقة الأمر القضية تحتاج إلى شيء من الدقة في الإجابة عليها ، فنحن نشجع المرأة أن تكون داعية إلى الله آمرة بالمعروف ناهية عن المنكر ، وأن تسخر هذه الوسائل من أجل القيام بهذه المسؤولية ، والاضطلاع بهذه المهمة . والله سبحانه وتعالى يقول في وصف المؤمنين والمؤمنات ( وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ)(التوبة: من الآية71) ، فالله سبحانه وتعالى وصفهم هذا الوصف وهو وصف يدل على اشترك الجنسين جميعاً في الاضطلاع بهذه المهمة .
ولكن مع هذا لا بد من مراعاة الآداب والأخلاق والتقيد بالحشمة والوقار ، فحديث الرجل إلى المرأة يجب أن لا يكون حديثاً مشوباً بعاطفة ولربما غرّر الإنسان بالمرأة من خلال إذكائه عاطفتها وهو يتحدث إليها حديثاً عاطفياً يجذبها إلى أمور لا تحمد .
فمن هنا نحن نوصي أولئك الدعاة أن يتخلقوا بأخلاق الدعاة ، وأن يتركوا هذا الجانب ، وأن يحرصوا على الإصلاح بحيث لا يجعلون الدعوة وسيلة لتهييج العواطف فإن ذلك أمر يؤدي إلى التخريب لا إلى التعمير وهذا أمر معروف بطبيعة الحال .
كما أن المرأة يجب أن تتعامل مع الرجل بحذر وأي حذر ولا سيما إن أراد أن يفاتحها في قضية زواج أو في غير ذلك فإن الاسترسال في هذا ربما أدى بها إلى ما لا تحمد عاقبته وليس كل الرجال رجالاً ، الناس يتفاوتون ، وقد يغرها بمظهره بسمته وبوقاره وبتحليه بصفات الصالحين حسبما يظهر ولكنه ينطوي على حقيقة مضادة لهذه الحقائق وهذا أمر يجب أن يتبنه له الجميع .
ومن المعلوم أن المرأة سرعان ما تتهيج عاطفتها لأن عاطفة المرأة كما تقول باحثة اجتماعية فرنسية تشغل كلا جانبي دماغها عندما تثور ، بخلاف عاطفة الرجل فإنها تشغل جانباً واحداً وتترك الجانب الآخر صالحاً للتفكير ، فالمرأة كثيراً ما تتأثر ولذلك يجب الرفق بالمرأة كما قال النبي صلى الله عليه وسلّم : رفقا بالقوارير .
يجب الرفق بالمرأة ، ويجب على الرجل أن يتعامل مع امرأته على أنها أخته وعلى أنها أمه وعلى أنها ابنته ، فكما أنه لا يرضى لأمه ولا يرضى لابنته ولا يرضى لأخته أي عار يلحقها كذلك عليه ألا يرضى بأي امرأة أخرى ذلك لأنها قبل كل شيء أخته في الإنسانية قبل أن تكون أخته في الإسلام ، ثم هي أخته في الإسلام ، ثم قد تكون أخته في المجتمع أيضا بحيث يجمعهما جميعا مجتمع واحد ، فعليه أن يتقي الله تبارك وتعالى في ذلك وأن يحرص على تجنب جميع الإثارات .
وأنا بنفسي وصلتني شكاوى من بعض النساء الداعيات بأن بعض الفتيات أصبحن يتعرضن للإثارات من قبل بعض الناس الذين يتظاهرون بمظهر الصلاح والاستقامة وذلك عبر هذه الوسيلة ، فعلى هؤلاء أن يتقوا الله وأن لا يستعملوا هذه الوسيلة إلا في البناء لا في الهدم .
ويمكن أن يلتقيا ( الداعي والداعية ) من خلال الحديث ولكن مع ذلك يجب أن يكون حديثاً وقوراً ، أنا لا أقول بأن صوت المرأة عورة على أي حال ، وإنما على المرأة إن تحدثت مع الرجل أن تتجنب التغنج وأن تتجنب المثيرات ، ومع هذا أيضا يجب أن لا يكون حديثاً عاطفياً كما قلت ، وإنما يجب أن يكون حديثاً جدياً ليس فيه ما يتعلق بهذا الجانب ، وبهذا يمكن أن يتعاون الجنسان .
ولا أقول بمنع التحدث إلى المرأة فيما يتعلق بأمور الزواج أي مفاتحة المرأة في هذا ولكن ذلك في حدود الحشمة والوقار مع اطلاع أسرتها على ذلك ومن بينهم ولي أمرها .
وهنا تعجبني أبيات فيها الكثير من النصح والتوجيه للمرأة ومن بينها ما يتعلق بهذا الجانب أي بجانب تغرير المرأة من أجل الزواج أو من أجل شيء من هذا قالها أحد كبار الدعاة قبل سنين كثيرة عندما خرجت المرأة متبرجة تبرج الجاهلية ونسيت حشمتها ووقارها وما يجب أن تكون عليه فقد وجه إلى المرأة نصيحة .
وأنا أذكر هذه الأبيات وهي وإن كانت لا تتعلق جميعاً بهذا الجانب الذي كنا نتحدث فيه وإنما تتعلق بما وصلت إليه المرأة من فتح الباب على مصراعيه للشهوانيين يقول :
قَصّرتِ أكماماً وشلتِ ذيولا
هلا رحمتِ إهابكِ المصقولا
أسأمتِ من بردِ الشتاء سجونَه
فطلبتِ تحريرَ المصيفِ عَجولا
وخطرتِ تحت غِلالةٍ شفافة
في فتنةٍ تدعُ الحليمَ جهولا
محبوكةٍ لصِقت بجسمٍ مشرقٍ
دفعته فورتُه فبان فُصولا
هل قصّر الخدانِ في صرعاهما
أو كان طرفُكِ في الطعان كسولا
حتى استعنتِ على القلوبِ بمُغمَدٍ
وجعلتِ جسمكِ كلَه مسلولا
ألححتِ في عرضِ الجمالِ وغركِ
الأغرارُ لما أسمعوكِ فضولا
من نال منكِ رضا فأنت مَلاكُه
ومن انتهرتِ قسا فكان عذولا
صوني قداسةَ ما وُهِبتِ وحاذري
أن تبتغي بعد الهُويّ حُلولا
واسمَي بعرضكِ فالمُضَلل فورة
وإن اهتدى عبثاً يضل وصولا
ثم هنا جاء بما كنا نتحدث به قال :
شاهدتُ ضليلاً يطاردُ غادةً
فنهرتُه حنِقَاً فقال خجولا
أبغي البناء بها فقلت مداعباً
هل كان باب وليها مقفولا
فرنا ولم يرها فجُنّ وقال لي
أبُعثت فينا يا غيور رسولا
لم يبق لي أرَب فما يضطرني
حتى أكون مكلفاً مسئولا
قل للفتاةِ الغرِ هذا حبه
إن بان ملتاعاً وذاب ميولا
يلقاك كالحَمَلِ الوديعِ مُضللاً
فإذا تمكن منكِ أمسى غولا
فهكذا نحن نحذّر المرأة من أن تقع فريسة لمثل هؤلاء الناس ، كما نحذر الرجل أيضاً أن يقع هو أيضاً فريسة الشيطان من خلال إغوائه بطريق المرأة ، وعلى الجانبين أن يتقيا الله تبارك وتعالى .