الدعوة يجب أن تكون مهمة كل مسلم ، لأن الله تبارك وتعالى بيّن أن ميزة هذه الأمة إنما هي في الدعوة إلى الله ، إذ قال ( كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ )(آل عمران: من الآية110) وقال ( وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (آل عمران:104) ، ومن المعلوم أن ( من ) هنا في قوله ( منكم ) ليست للتبعيض وإنما هي للبيان ، فهي على حد قولهم وجدت من فلان أسداً ، وجعل الله له من أولاده أنصارا ، وهكذا ، فإن المراد بمثل هذا أن ( من ) لبيان الجنس وليست هي للتبعيض ، ومعنى ( ولتكن منكم أمة ) أي كونوا أمة هذا شأنها تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتؤمن بالله .
فإذا اضطلعت الأمة بهذه الأمانة أدت واجبها ، ولكن لا بد من أن يكون الإنسان فيما يقوله على بينة من أمره وبصيرة من دينه وسداد من مسلكه حتى لا يتورط .
فمن ذلك لا بد من أن يكون الإنسان عارفاً بما يدعو إليه ولذلك قيل بأن الإنسان لا يكون آمراً بالمعروف ولا ناهياً عن المنكر حتى تجتمع فيه خصال : أن يكون عالماً بما به يأمر ، وعالماً بما عنه ينهى ، وأن يكون عدلاً فيما به يأمر ، وعدلاً فيما عنه ينهى ، وأن يكون مؤتمراً بما به يأمر ، ومنتهياً عما عنه ينهى .
لا بد من أن تتوفر في الإنسان هذه الخصال ، أما العلم فإنه أساس العمل وأساس الهداية ، ولذلك كانت الهداية منوطة بالعلم ، والله سبحانه وتعالى عندما أرسل رسوله صلى الله عليه وسلّم خاطبه أول ما خاطبه بكلمة اقرأ ( اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ) ( العلق : 1-5) لأن الله بعثه برسالة العلم ، فالله سبحانه وتعالى عندما امتن به على عباده المؤمنين إنما امتن به لأنه جاء معلماً لهم ومزكياً لهم فقد قال سبحانه ( لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ) (آل عمران:164) ، وقال امتناناً على عباده الأميين وهم العرب ( هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ) (الجمعة:2(
وقد حذّر الله سبحانه من التقول عليه بغير علم عندما قال عز من قائل ( قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالأِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ) (الأعراف:33) ، فالتقول على الله بغير علم أمر غير جائز .
ولكن الدعوة تختلف بين أمر وآخر ، فهناك أمور من الضرورة أن يعرف الإنسان حكمها إذ من الذي لا يعرف أن الخمر مثلاً حرام وأن الزنا وأن الغيبة حرام وأن كلمة الباطل يقولها الإنسان حرام ، فالإنسان عندما يغيّر مثل هذا المنكر لا يحتاج إلى كثير علم إذ الناس جميعا مشتركون في معرفة ذلك ، وكذلك عندما يجد أحد من الناس أحداً يسيء التصرف في أمر من الأمور وهو يحسن التصرف فإن عليه أن يدعوه إلى الخير وأن يأمره بالمعروف وينهاه عن المنكر ، وبهذا يكون قد أدى ما عليه .
وكذلك من هذا الباب تربية الإنسان لأولاده على طاعة الله وعلى البر وعلى الإحسان وعلى اجتناب سفاسف الأمور وعلى التحلي بمكارم الأخلاق ، فإن ذلك كله يدخل في باب الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى ، وهكذا تتوسع الدعوة شيئاً فشيئا ويشترك فيها الناس بقدر قدراتهم .
وأما العدل فهو أن لا يحابي أحداً على حساب أحد آخر ، لا يحابي قريباً على حساب بعيد ، ولا حبيباً على حساب بغيض ، ولا صالحاً على حساب طالح ، فإن الناس متساوون في هذه الناحية ، لا بد من أن تكون كلمة الحق التي يقولها منبعثة من أعماق نفسه من أجل هداية الناس لا من أجل الحيف على أحد ، أو توصير أحد على حساب أحد ، فالله تعالى يقول ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا )(النساء: من الآية135) ، ويقول سبحانه وتعالى ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى)(المائدة: من الآية).
وأما الائتمار بما به يأمر والانتهاء عما عنه ينهى عنه فإنه من ضرورات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ذلك لأن هذه الدعوة إن لم تكن مترجمة بالعمل ومصدقة بالفعل فإنها ولا ريب تكون متعثرة في طريقها ، والحق سبحانه وتعالى يقول في تقريعه لليهود ( أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ) (البقرة:44) ، وليس التقريع هنا على الأمر والنهي على أمر الناس بالبر ، وإنما التقريع على نسيانهم أنفسهم ، فهم وإن أحسنوا من حيث دعوة الناس إلى الخير ولكنهم أساءوا من حيث إنهم تركوا الائتمار بهذا الذي يأمرون به والانتهاء عن هذا الذي ينهون عنه .
ونجد أن السلف الصالح إنما استطاع أن يقتحم السدود ، وأن يذلل العقبات ، وأن يصل إلى غايته في هذه الدعوة بالتطبيق الدقيق لكل ما يدعو إليه ، فالسلف الصالح كانت أعمالهم أدعى إلى الحق من أقوالهم ، ولذلك تفاعل الناس تفاعلاً تاماً مع هذه الدعوة فاتبعوا دين الله ودخلوا فيه أفواجا ، وهذا كما قلنا مع عدم وجود الوسائل في ذلك الوقت ولكن عزيمتهم كانت عزيمة متوقدة ، وأعمالهم كانت أعمالاً صالحة ، وسيرتهم كانت سيرة زكية ، ولذلك تفاعل الناس مع دعوتهم فتسارعوا إلى الاستجابة لها .