الأحد, نوفمبر 02nd, 2008 | اضيفت بواسطـة: ayman

إنّ النّفس البشرية وهي تواجِهُ هذه الحياة ومشكِلاتها وتَحدِّياتها وتَخوضُ غِمارَها وتتلطَّخ بِأدْرانها جَديرة بِأن تَحرِص على الانغماس في أنهار الطُّهر حتى تَخرُج من هذا العالَم وما فيه من التّناقضات إلى عالَم آخر .. إلى عالَم مليءٍ بِالأنوار الربانية ومليءٍ بِالإشراقات الروحانية، ولذلك جعل الله-سبحانه وتعالى-عبادات تَجعل هذا الإنسان موصولا بِربه يَتركُ فيها وراءَ ظهرِه همومَ هذه الدنيا وأوزارَها، ولا ريب أنّ الإنسانَ كلَّما كان أكثرَ حِرصا على الاتصال بِالعالَم الأخروي وعلى الصِّلة بِربه-سبحانه وتعالى-كان ذلك أدعى لِرسوخِ إيمانه وقُوَّةِ يَقينه وتَوقُّدِ عزيمته وقُوَّةِ مَلَكَاته التي يُواجِه بها تَحدِّيات هذه الحياة، فلِذلك جعل الله-سبحانه وتعالى-هناك أوقاتا يُقَضِّيها الإنسان جميعا في عبادة الله-تعالى-وذِكْرِه بِحيث يَتجرَّد فيها عن هموم هذه الدنيا وتَبِعاتِها ويَشتغِل بِذِكْر ربه-سبحانه وتعالى-وبِذِكْر الدار الآخرة لِيكون في ذلك تَخليصٌ له من هذه التبِعات الدنيوية، ولِيكون في ذلك-أيضا-مزيدٌ من الزّاد الأخروي الذي يَتزوَّده لِلقاء ربه-سبحانه وتعالى-وهو زاد التقوى، الذي يقول فيه الحقّ سبحانه ( وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى)(البقرة: من الآية197) مِن أجل ذلك شُرِعَ الاعتكاف.

والاعتكاف لا يَنحصِر في شهر معيّن أو في وقت معيّن، فهو لا يَنحصِر في شهر رمضان وحده، ولا يَنحصِر في العشْرِ الأواخر من شهر رمضان، ولكنّ العشْرَ الأواخر-على أيّ حال-بِما أنها مَظِنَّة ليلةِ القدر هي أوْلى بِأن يَحرِص الإنسان المسلم فيها على الاعتكاف، لأنّ خيرَها خيرٌ عظيم، فإنّ ليلةَ القدْر هي خيرٌ من ألفِ شهر، مَن حُرِم خيرَها فَقَد حُرِم، فالإنسان الذي تَمرّ عليه هذه الليلة المباركة وهو متجَرِّد مِن هموم هذه الدنيا، مقبِلٌ على الله-سبحانه وتعالى-بِقلبه وقالَبه، بِجسمه وروحه، بِعقله وفكره، بِضميره وغرائزه، بِكلِّ ما احتواه كِيانه لا ريب أنّ هذا الإنسان يَكون رابِحا خيرَ هذه الليلة أكثرَ مِن غيره، وهذا إنما يَحصل لِلذي يَتجرّد لِعبادة ربه، وهذا التجرد إنما يَكون بِالاعتكاف، فالاعتكاف في مساجد الله تعالى التي هي بيوته في أرضه، والتي هي مُتَنَزَّل رَحماته، والتي هي الأفقُ الذي يُشرِق مِنه نورُه .. هذا الاعتكاف يُؤدّي بِالإنسان إلى أن يَكون قوي الصِّلة بِالله-سبحانه وتعالى-أكثرَ فأكثر، وهذا الاعتكاف يَجعل هذا الإنسان يَربَح خيرَ هذه الليلة عندما تَمرّ بِه وهو في معتكَفه، ولِذلك كان النبي-صلى الله عليه وسلم-حريصا على الاعتكاف في جميع سِنِي عُمُرِه بعدما فُرِض عليه صيام شهر رمضان، ومن المعلوم أنّ ليلة القدر هي في تَضاعيف ليالي الشهر الكريم، ولكنّ الله-تعالى-أخفاها، وهذا لِحكمة بَالغة .. أخفاها لِيَشتغل الإنسان بِالعبادة في جميع ليالي الشهر حتى يَربَح خيرَ هذا الشهر، فإنه لو كان عارِفا لهذه الليلةِ أيُّ ليلةٍ هي مِن ليالي الشهر لكان ذلك كثيرا ما يُؤدّي بِه إلى التقاعس عن القيام بِالعبادة في سائر الليالي، فلذلك جعل الله-سبحانه وتعالى-إخفاءها أمرا فيه رحمة بِالعباد، كما أُخفِيَت ساعة الإجابة من يوم الجمعة، وكما أُخفِيَت الصلاة الوسطى من بين الصلوات الخمس، والنبي-صلى الله عليه وسلم-كان بادئ الأمر يَعتكِف-كما جاء عنه-في العشْر الأولى، فأتاه جبريل وقال له: ‘ إنّ الذي تَطلبُ أمامَك ‘ فاعتكف العشر الوسطى، ثم أتاه جبريل وقال له: ‘ إنّ الذي تَطلبُ أمامَك ‘ فاعتكف العشْر الأخيرة وظلّ يَعتكِف العشْرَ الأواخر حرصا على هذا الخير العظيم، وتَحسُّبا لِهذه الليلة المباركة التي هي خير من ألفِ شهر.
و-على أيّ حال-المعتكِف إنما يَكون عاكِفا على طاعة ربه، فمِما يَنبغي أن يَدورَ بِبال كلِّ أحد أنّ الاعتكافَ لا يَعني البقاء في المسجد فحسب، إذ البقاء في المسجد وحده من غير أن يكون الإنسان موصولا بربه-سبحانه وتعالى-لا قيمة له، وكثير مِن الناس قَد يَأتون إلى المساجد ويَبقَون فيها ولكنهم يُفَوِّتُون أجورهم وذلك لأنهم يَشغَلون أوقاتهم بِذِكْر الدنيا وأمورها، ويُحَوِّلُون أسواق الدنيا إلى المساجد، مع أنّ المساجد إنما هي أسواقُ البضاعةِ الأخروية، وليست أسواقا للبضاعة الدنيوية، فالإنسان إن كان معتكِفا في المسجد وهو يَقضي سحابةَ نهارِه يَتحدَّث بِأمور الدنيا ويَشتغل بِبعض الأمور التي ربما أدّت به إلى الوقوع في المعاصي ذلك لا ريب أنه يُحبِط أجرَ اعتكافه، بل يَعود بِالأوزار بَدلا مِن أن يَعود بِالأجور، وهذا أمر فيه خطر عظيم، فهو بَدلا مِن أن يَعودَ بِالفائدة يَعودُ بِالخسران والعياذ بالله، فلذلك نحن نوصي إخوانَنا الذين يَقضُون أوقاتهم في الاعتكاف-وهذا خير عظيم، ومطلَب كبير-أن يَحرِصوا على أن يَقضُوا هذه الأوقات وهم يَذكرون الله-سبحانه وتعالى-بِحيث يَكونون بين صلاةٍ وتلاوةٍ لِلقرآن ودعاءٍ وابتهالٍ إلى الله وتَعلُّمٍ للعلم النافع وتَعليمٍ له .. هذا كله إنما يَعودُ بِالفائدة على الإنسان، إذ كل ذلك مِن القُرُبات التي تَرفَع منزلةَ الإنسان، أما أن يَشتغِل الإنسان بِحديث الدنيا أو أن يَتجاوز الاشتغال بِحديث الدنيا إلى أن يُصبِح يَلِغُ لسانه في أعراض الناس-يَتكلَّم في هذا ويَشتُم ذلك ويَتعرَّض لهذا بِالتّنقيص والتّحقير-فذلك أمر يَعودُ عليه بِالخسارة، بَدلا مِن أن يَعودَ بِالرِّبح والفائدة، فعلى هذا الذي وقع في ذلك أن يَتَّقي الله-تبارك وتعالى-وأن يَتداركَ نفسه؛ ونسأل الله-تعالى-العافية.

مصنف في: فتاوى عامة | عدد القراءات: (463) | [نسخة للطباعة] | ارسل الفتوى الى صديق