على أي حال نحن دائماً نميل إلى ما يجمع الشمل ويرأب الصدع ويؤلف القلوب ويوحد الكلمة . وهذا مما أُدرك في كلام أسلافنا ، فنجد مثلاً الإمام أبا حمزة الشاري وهو على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلّم في وقتٍ يواجه فيه حروباً مع قوى الظلم ويواجه تحديات ولكن مع ذلك لم تذهب به الانفعالات إلى أن يعلن القطيعة مع الآخرين قال ( الناس منا ونحن منهم إلا ثلاثة : مشركاً بالله عابد وثن ، أو كافراً من أهل الكتاب ، أو إماماً جائراً ) ، وهذا ما قاله الإمام السالمي رحمه الله أيضاً عندما قال :
ونحن لا نطالب العبادا *** فوق شهادتيهم اعتقادا
فمن أتى بالجملتين قلنا *** إخواننا وبالحقوق قمنا
إلا إذا ما أظهروا ضلالا *** واعتقدوا في دينهم محالا
قمنا نبيّن الصواب لهم *** ونحسبن ذلك من حقهم
فما رأيتهم من التحرير *** في كتب التوحيد والتقرير
حل مسائل ورد شبه *** جاء من ضل للمتنبه
قمنا نردها ونبدي الحقا *** بجهدنا كي لا يُضل الخلقا
فعلى أي حال لا ينبغي أن يكون الإنسان متقوقعاً على نفسه ، يُصر على أن ما يقوله هو وحده الحق ، فالحق يُعرف بالرجوع إلى الأصول ، بالرجوع إلى الكتاب والرجوع إلى السنة النبوية الثابتة الصحيحة على صاحبها أفضل الصلاة والسلام لا بمجرد الدعاوى .
ثم مع هذا أيضاً نجد أن علمائنا السابقين كانوا حريصين كل الحرص على ما يوحد الصف ويرأب الصدع ويجمع الكلمة ، بل نجد القيادات السياسية والقيادات العلمية جميعاً تشترك في هذه الناحية ، نحن نضرب مثلاً لذلك عندما شب ضرام الحرب بين الدولة السعودية وأشراف مكة في عهد الملك عبد العزيز وفي عهد الشريف حسين ، شغل ذلك القيادات الإباضية سواء القيادات السياسية أو القيادات العلمية ، فنجد مثلا ًالسلطان تيمور بن فيصل يوجه رسالة إلى الفئتين المتحاربتين ويسند القيام بالصلح في هذه القضية إلى الشيخ سليمان باشا الباروني الذي كان في ذلك الوقت في الحجاز ويقول للطائفتين بأن هذا من علماء مذهبنا ونحن وكلنا إليه أمر الإصلاح ما بين المتحاربين حفاظاً على الوحدة الإسلامية ، وحفاظاً على حرمة الحرم الشريف الذي نخشى أن يكون مهدداً أمنه وأن يفضي ذلك إلى تهديد عُمّاره .
وبجانب ذلك وُجِّهت رسالة من قبل الإمام محمد بن عبدالله الخليلي إلى الشيخ سليمان باشا الباروني نفسه بأنه يطالبه أن يمثّله في القيام بالصلح ما بين الفئتين المتحاربتين حفاظاً على الإخاء الإسلامي وحفاظاً على الحرم الشريف وصونه مما يؤدي إلى تكدير صفو الأمن فيه .
والرسالتان موجودتان جميعاً في كتاب الشيخ أبي اليقظان الذي ألّفه عن تاريخ الشيخ سليمان الباروني بعنوان ( سليمان باشا الباروني في أطوار حياته ) ، فالرسالتان الموجهتان في هذه القضية من القيادتين القيادة السياسية عند السلطان تيمور والقيادة الدينية والسياسية عند الإمام محمد بن عبدالله الخليلي موجودتان جميعاً كما ذكرت في هذا الكتاب .