إن الله تعالى بعث نبيه صلى الله عليه وسلّم والناس في ضلالة عمياء ، فقد امتن الله تعالى على العرب الأميين بمبعثه عندما قال ( هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ ) (الجمعة:2) ، وامتّن بذلك على كل المؤمنين عندما قال عز من قائل ( لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ ) (آل عمران:164) .
فالله سبحانه وتعالى يمتن هنا على المؤمنين بهذه النعمة العظيمة أن بعث فيهم رسولاً من أنفسهم .
ما هي مهمته ؟ ( يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ ) ، لماذا ؟ ليجدوا من خلال هذه الآيات سر الله تبارك وتعالى في تنزيله حتى يؤمنوا إيماناً صادقاً يحوّلهم من واقع إلى واقع ، يحوّلهم من حياة الكفر إلى حياة الإيمان ومن الضلال إلى الهدى ومن الغي إلى الرشد ومن الفساد إلى الصلاح ومن التشتت إلى الاجتماع .
( وَيُزَكِّيهِمْ ) ، لم يكن صلى الله عليه وسلّم مجرد تالٍ للقرآن ، وإنما كان مُزكياً لهذه الأمة بحيث يربيهم على تزكية النفوس وتطهيرها من أرجاسها ، فالتزكية هي بمعنى التطهير وبمعنى التنمية ، هي بمعنى التطهير لأن فيها تطهيراً للنفوس من أدرانها ، وفيها معنى التنمية لأن في التزكية تنمية لفضائل النفوس ، فأصل زكا بمعنى طهُر وبمعنى نما ، وقد اجتمع المعنيان في هذه المهمة التي قام بها رسول الله صلى الله عليه وسلّم ، كان يطهر هذه النفوس من رجسها ، وكان ينمّي فضائلها .
ومع هذا ( وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ ) ، يعلمهم كتاب الله ، ويعلمهم الحكمة المقرونة بهذا الكتاب ، قيل هي السنة ، وقيل الحكمة المعاني التي يفيض بها القرآن الكريم .
( وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ ) كانوا على ضلالة ، وأي ضلالة من تلك الضلالة التي كان عليها العرب ، كانوا في ضلالة عمياء ، كانوا أوغل الناس في الضلالة قدما ، وأعماهم عن الحق بصيرة ، ما كانوا مستبصرين بالحق ، وإذا بهذا القرآن يحوّلهم من وضع إلى وضع آخر .
كانوا كما يصفهم الاستاذ الرافعي ( كانوا بين راعٍ للغنم ، وداعٍ للصنم ، وعالم على وهم ، وجاهل على فهم ، وإنسان كأنه من شره آلة لفناء الإنسان ، وشيطان كأنه من خبثه مادة لوجود الشيطان ) .
وإذا به يحوّلهم على وضع آخر فيكونون كما قال الاستاذ الرافعي نفسه بحيث يصور أن هذا القرآن كان كأنما أخذ بجزيرة العرب من طرفها فنفضها تحت شعاع الشمس فتفرقت ذراتها في الأرض ووقع وراء كل عربي يحمل إلى الناس هذا الهدى كأنما هو رسول من عند الله سبحانه وتعالى .
هكذا كان تأثير القرآن الكريم عليهم ، وهكذا كان تأثير التربية التي جاء بها الرسول صلى الله عليه وسلّم .
والناس إنما أصيبوا بسبب بعدهم عن القرآن ، وبعدهم عن هدي الرسول عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والسلام ، فهم اتخذوا هذا القرآن مهجورا ، إنما بقي القرآن لافتتاح اللقاءات وافتتاح المناسبات أو اختتامها ، ومع ذلك تُرك العمل به وتُرك العمل بسنة النبي صلى الله عليه وسلّم ، النبي صلى الله عليه وسلّم ترك الناس على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك .
فإذن نحن علينا أن نستمسك بهذا الكتاب العزيز ، وبهدي الرسول صلى الله عليه وسلّم .
ولئن كنا نحب النبي صلى الله عليه وسلم ، وأي الناس أولى بالمحبة من النبي صلى الله عليه وسلّم ؟ لأن حب الإنسان لغيره هو ناشئ عن أمرين ، إما أن يكون ناشئاً عن تعظيمه إياه بحيث يراه أنه متفوق عليه .
وإما أن يكون ناشئاً عن إحساسه بأنه أنعم عليه بنعمة ، وأسدى إليه معروفا .
وعلى كلا الحالين فالنبي صلى الله عليه وسلّم أولى بأن يكون أكثر الناس قدراً في نفوس الناس ، وأكثر الناس حباً في قلوب جميع الناس .
أما من حيث عظم النبي صلى الله عليه وسلّم فإنه حسبنا ما أثنى الله تبارك وتعالى به عليه ، حسبنا أن الله تعالى قال فيه ( وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ) (الأنبياء:107) ، فرسالته لم تكن رحمة لأمة من الناس دون غيرهم ، ولم تكن رسالته رحمة للبشر وحدهم ، ولم تكن رسالته رحمة للأرض وحدها ، ولم تكن رسالته رحمة للمجموعة الشمسية وحدها ، وإنما هي رحمة للعالمين .
والعالمون جمع عالم ، والعالم يصدق على كل ما كان علامة ودليلاً على وجود الخالق سبحانه ، فمعنى ذلك أن كل ذرة في هذا الكون مشمولة بهذه الرحمة ، مغمورة بهذه النعمة ، وهذا يدل على عظمه ، ما كان ليختاره الله تبارك وتعالى لهذه الرسالة العظيمة إلا وهو أعظم البشر جميعاً .
ونحن نجد أن غير المسلمين يعترفون بعظم قدر النبي صلى الله عليه وسلّم ، أي العقلاء من غير المسلمين يعترفون بعظم قدر النبي صلى الله عليه وسلّم ، فمثلاً المستشرق مسيو ديرمنجام في كتابه ( حياة محمد ) يقول : لقد كان محمد أصدق البشر لهجة ، وأصفاهم سريرة ، وأحسنهم سيرة ، وأعدلهم سلوكا ، وأوفرهم عقلا . هكذا يصف الرسول صلى الله عليه وسلّم .
ونجد الشاعر والفيلسوف شبلي شميّل ، وهو كان فيما قبل نصرانياً كاثوليكياً ثم صار ملحداً لا يؤمن بأي دين من الأديان ، ولكن مع ذلك كيف يعترف بقدر النبي صلى الله عليه وسلّم ، فعندما كان يقرأ في مجلة ( المنار ) صفحات يخصصها صاحب المنار لمناقب النبي صلى الله عليه وسلّم كتب إليه رسالة مختصرة وبعدها أبيات ، يقول في رسالته :
إلى غزالي عصره السيد محمد رشيد رضا صاحب مجلة المنار :
أنت تنظر إلى محمد كنبي وتجعله عظيما ، وأنا أنظر إليه كرجل وأجعله أعظم .
ونحن وإن كان في الاعتقاد الديني أو المبدأ الديني على طرفي نقيض فإننا يجمع بيننا العقل الواسع والإخلاص في القول وذلك أوثق لعرى المودة بيننا .
ثم قال ( الحق أولى أن يقال ) ، وتحت هذا العنوان كتب هذه الأبيات :
دع من محمد في سدى قرآنه *** ما قد نحاه للحمة الغايات
إني وإن أك قد كفرت بدينه *** هل اكفرن بمحكم الآيات
أو ما حوت في ناصع الألفاظ من *** حكم روادع للهوى وعظات
وشرائع لو أنهم عقلوا بها **** ما قيّدوا العمران بالعادات
نعم المدبر والحكيم وإنه *** رب الفصاحة مصطفى الكلمات
رجل الحجا رجل السياسة والدها *** بطل حليف النصر في الغارات
ببلاغة القرآن قد غلب النهى *** وبسيفه أنحى على الهامات
من دونه الأبطال في كل الورى *** من سابق أو حاضر أو آتي
هكذا يعترف ملحد بقدر الرسول صلى الله عليه وسلّم ، ونجد لهؤلاء أمثالاً كثيرين .
فإذن النبي صلى الله عليه وسلّم بهذا الاعتبار – أي باعتبار شخصيته _ أولى الناس بأن يُحب .
وباعتبار ما أسداه من خير ونعمة فإنه أولى الناس أيضاً بالمحبة ، لأنه بُعث لإنقاذ هذه البشرية ، وبُعث ليكون رحمة للكون بأسره ( وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ) (الأنبياء:107) ، وقد كان حريصاً على إنقاذ البشر ، حسبكم ما وصفه الله تعالى به ( لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ ) (التوبة:128) ، فهو حريص على هداية الناس جميعا ، وإنقاذهم من الضلالة ، وإخراجهم من الظلمات إلى النور ، وتبصيرهم بالحق والدخول بهم في جنة عرضها السماوات والأرض ، هو يأخذ بحُجَز البشر عن النار بدعوتهم إلى الخير وحرصه على أن يكونوا على استقامة .
فإذن كل خير جاءنا إنما كان النبي صلى الله عليه وسلّم سبباً له ، إذ الله تعالى أرسله لئن يكون رحمة للعالمين ، فالخير كله من الله ولكن أجراه الله تعالى على يدي عبده ورسوله صلى الله عليه وسلّم لأنه لا خير في هذا الكون إلا عندما يؤخذ بهدى الله ، ويستجيب الكون لداعي الله ، وينقاد لأمره ، ويذعن لحكمه ، ويقف في حدود طاعته .
ولئن كان الأمر كذلك فإن من شأن المحب أن يسارع في هوى محبوبه ، على أن حب النبي صلى الله عليه وسلّم ليس عاطفة جيّاشة فحسب بحيث لا تكاد تثور حتى تغور ، ولا تكاد تتقد حتى تخمد ، وإنما حب النبي صلى الله عليه وسلّم يجب أن يكون عقيدة في النفس ومنهجاً في الحياة ، ولذلك جعل الله تعالى اتباعه تصديقاً لما يدّعيه الإنسان من حب الله وسبب الوصول إلى الفوز بحب الله ، فالله سبحانه وتعالى يقول ( قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) (آل عمران:31) .
فترون كيف وقعت المتابعة للنبي صلى الله عليه وسلّم ، كيف وقع الاتّباع له صلى الله عليه وسلّم بين طرفي المحبة ، بين حب العباد لله وحب الله تعالى للعباد ، فاتّباع النبي صلى الله عليه وسلّم تجسيد لحب العباد لله ، وسبب لنيلهم الحب من الله تعالى .
فإذن علينا أن نحرص على اتّباعه ، وبهذا نكون نكون قد أحيينا ذكرياته صلى الله عليه وسلّم .
أما مجرد أن يجتمع الناس لقراءة قصته صلى الله عليه وسلّم ولا يبقى لذلك أثر في نفوسهم فهذا ليس هو تجسيداً لحبه صلى الله عيه وسلّم ، إنما إحياء سنته ، والغيرة على دينه ، والحفاظ على عهده ، والقيام بدعوته ذلك كله هو التجسيد الحق لمحبته صلى الله عليه وسلّم .
على أنه عليه أفضل الصلاة والسلام بُعث متمماً لمكارم الأخلاق ، والله تعالى عندما وصفه ، وصفه الخلق العظيم قال ( وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ) (القلم:4) ، ما قال له وإنك لعلى علم واسع ، أو على عقل راجح ، وإنما قال له ( وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ ) ، فالخلق هو مقياس التفاضل بين الناس، الناس مطالبون بأن يجسدوا الأخلاق الفاضلة ، وأن يقتدوا بالنبي صلى الله عليه وسلّم في الإتيان بمكارم الأخلاق وأن يترفعوا بأنفسهم عن سفاسفها .
ونحن نجد دركات الشر التي وقع فيها الناس ، في هذا اليوم اطلعت في صورة من صحيفة نشرت دعوة بين الناس ، يدعو أحد من الناس الرجال والنساء إلى أن يتجردوا من ثيابهم وأن يمشوا عراة زاعماً أن أهل الجنة إنما يكونوا عراة لا يلبسون الثياب ، وأنهم إن أرادوا الاقتداء بأهل الجنة فليكونوا عراة ، وان آدم أبا البشر ولد عاريا والناس يبعثون عراة ، فعلى هذا ما الداعي لئن يلبسوا الثياب .
أي تردي للناس في أخلاقهم هذا ؟ هذا السقوط ليس بعده سقوط .
فإذن يجب على من يحيي ذكراه صلى الله عليه وسلّم أن يحرص على تجسيد مكارم الأخلاق بنفسه ، وأن يدعو إلى هذه المكارم ، وأن يحذّر الناس من هذه السقطات التي لا تصل بهم إلا إلى هاوية سحيقة لا يعلم قعرها إلا الله تبارك وتعالى ، ونسأل الله تعالى العافية .