بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، أما بعد :
فبهذه المناسبة السعيدة مناسبة استقبال ذكرى مولد رسول الله صلى الله عليه وسلّم يسرني أن أهنئ المؤمنين والمؤمنات من المشاهدين والمشاهدات في هذا البرنامج بهذه المناسبة التي يستنشقها العالم الإسلامي فيعود إليه نفس في هذه الحياة يُذهب عنه العناء والمشقة بإذن الله سبحانه وتعالى ، فإن هذا العالم المكدود وهو يمر بذكريات رسول الله صلى الله عليه وسلّم لا ريب أنه يستنشق من عبقها ما يعيد إليه الأمل الكبير في حياة جديدة تقوم على هدي الرسول عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والسلام .
هذا ولا شك أن رسول الله صلى الله عليه وسلّم أرسله الله سبحانه وتعالى بالهدى ودين الحق وأيّد دعوته بمعجزة كانت تختلف عن معجزات النبيين من قبل ، لأن معجزات النبيين من قبل كانت موقوتة كما أن رسالاتهم كانت موقوتة .
فكل نبي جاء بمعجزة كونية كان لها أثرها في حياته ثم انتهى ذلك الأثر من بعده ، إذ بإمكان الذي يأتي من بعده أن يدفع دعوى وقوع تلكم المعجزة بتكذيبها ، ولكن عندما تكون المعجزة قائمة أنّى يكون التكذيب .
والنبي صلى الله عليه وسلّم وإن كان أُكرم من قبل الله سبحانه وتعالى بمعجزات أخرى كانت هذه المعجزات بمثابة الكرامة له عليه أفضل الصلاة والسلام كنبع الماء من بين أصابعه كما ثبت ذلك في الحديث الصحيح وغير ذلك مما وقع ، إلا أن ذلك لم يكن في مقام التحدي .
أما في مقام التحدي فإن الناس كانوا يُرَدّون إلى القرآن الكريم ، فالله سبحانه وتعالى قال ( وَقَالُوا لَوْلا يَأْتِينَا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الأُولَى ) (طـه:133) ، ويقول سبحانه وتعالى ( أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ )(العنكبوت: من الآية51) ، فكانت معجزته صلى الله عليه وسلّم إنما هي معجزة القرآن الكريم ، وقع التحدي به ( فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ ) (الطور:34) ، ( فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِه )(هود: من الآية13) ، ( فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّنْ مِثْلِهِ )(البقرة: من الآية23).
كل ذلك إنما كان في مقام التحدي ، ذلك لأن الله سبحانه وتعالى أراد – كما قلت- أن تكون هذه المعجزة معجزة خالدة كخلود هذه الرسالة التي كتب الله تعالى لها البقاء إلى أن تنتهي دورة الحياة في هذا الكون ويعيد الله سبحانه وتعالى الكون إلى العدم ثم ينشئه نشأة أخرى .
ولما كانت هذه المعجزة معجزة تتحدى جميع الأمم وتتحدى جميع العصور فإنها كانت صالحة لجميع العصور ، ما من عصر من العصور إلا ويتجدد بروز إعجاز هذا السر الذي أنزله الله تعالى على نبيه صلى الله عليه وسلّم .
ففي عهد النبي صلى الله عليه وسلّم كان أبرز ما ظهر من هذا الإعجاز البيان ، ذلك لأن اللغة العربية هيأها الله تعالى لئن تكون وعاء لكلامه المعجز ، فارتقت إلى أوج البلاغة الشامخ ، إذ هذبتها الألسن التي طورتها طوراً بعد طور ، وبلغ العرب من البلاغة شأواً بعيداً لم يبلغوه من قبل ولم تبلغه أي أمة من الأمم في بيانها .
ونزل القرآن والعرب جزيرتهم كانت طافحة بالعدد الهائل من الخطباء المصاقع والشعراء البلغاء الذين لا يشق لها غبار في ميدان الشعر والنثر ، وإذا بهذا القرآن الكريم يقتادهم من ألسنتهم ، إذ نزل بنفس هذا اللسان العربي وبنفس الحروف التي يركّبون منها كلماتهم ، وبنفس الكلمات التي يركّبون منها حديثهم ، ولكن مع ذلك كانت فيه نفخة غيبية من سر الله تبارك وتعالى حوّلته إلى شيء فلذلك لم يستطيعوا أن يأتوا بحديث مثله ، مع أنهم أُرخي لهم العِنان ، فقد تُحدوا بأن يأتوا بمثله فعجزوا ، وتُحدوا بأن يأتوا بعشر سور من مثله فعجزوا ، وتُحدوا بأن يأتوا بسورة من مثله فعجزوا .
هذا مع إفساح المجال لهم لأن يستعينوا بمن أرادوا من شهدائهم ، بأن يدعو شهدائهم الذين يشهدون بشهادتهم ويدّعون أن هذا القرآن باطل ، فإنهم وُسِّع لهم أن يستعينوا بهؤلاء جميعاً ولكن مع ذلك عجزوا ، وجاء التصريح القرآني بأن البشر جميعاً بل الإنس والجن جميعاً لو حاولوا على أن يجتمعوا على أن يأتوا بحديث مثل هذا القرآن الكريم لعجزوا ، ( قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الأِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً ) (الإسراء:88) .
فلا يمكن أن يأتي أحد أو أمة من الأمم أو جميع الناس بمثل هذا القرآن الكريم .
وهذا أمر عجب ، فإن إعجاز القرآن الكريم حارت فيه الألباب حتى وصل الأمر ببعض الناس أن يقولوا بأن إعجازه بالصَرفة ، وهؤلاء كما يقول عنهم السيد رشيد رضا في تفسيره ( المنار ) عجزوا عن إجالة قدح الفكر في هذا الأمر فلذلك اكتفوا بأن يقولوا بأن إعجازه بالصَرفة ، وكذلك يقول أبو حيان المفسر الشهير في أمثالهم .
ومن العلماء من يرى أن ذلك كان من أجل حب التجديد أو الإتيان بشيء جديد ، فإن هؤلاء قالوا شيئاً جديداً ، وهم فهموا أن القرآن الكريم كما تقول البراهمة في ( فيدا ) وهو الكتاب المقدس عندهم بأنهم بإمكانهم أن يأتوا بمثله ولكن ( براهما ) منعهم من ذلك ، وهل هذا تكويني أم تشريعي ، رجّح العلاقة أبو زهرة الذي يرى أن هذا هو منشأ فكرة الصَرفة بأن هذا المنع عند أولئك تكويني ، فأخذ بهذا من أخذ كالنظّام من المعتزلة وابن حزم الظاهري من الظاهرية .
ومن العجيب أن تجمع هذه الفكرة بين معتزلي يعتمد على مقاييس العقل وعلى إعمال العقل ، وظاهري يرى تعطيل العقل والأخذ بظواهر النصوص فحسب .
كان هذا الاجتماع أمراً عجيباً ما بين طرفين متناقضين على فكرة عجيبة مثل هذه الفكرة .
وعلى أي حال فإن هؤلاء إنما عجزوا حسبما يبدو عن إجالة قدح الفكر في استخراج أسرار هذا الإعجاز القرآني فلذلك قالوا بأن إعجازه بالصَرفة .
وبحث الباحثون والذين بحثوا اختلفوا منهم من قال بأن السر في ذلك أن المعاني انقادت للكلمات ، ومنهم من قال لا ، بل الكلمات انقادت للمعاني .
وهذا إنما يرجع إلى ترددهم ما بين المعاني والكلمات فكل من ذلك بهرهم .
فهم عندما ينظروا إلى المعاني يقولون هنا الإعجاز ، وعندما ينظرون إلى الكلمات يقولون هنا الإعجاز .
والحقيقة أن إعجاز القرآن في نظامه ، النظام الذي لم يستطع البشر أن يأتوا بمثله ، فهو منسجم انسجاماً عجيباً سواءً من ناحية المعاني أو ناحية العبارات .
فلو جئنا إلى عباراته فإن حروف القرآن الكريم رُكّبت تركيباً عجيباً ، تركيباً يراعى فيه ما في تلك الحروف من خصائص سواءً من حيث المخارج ، أو من حيث النوع كأن تكون حروفاً شديدة أو حروفاً رخوة ، حروفاً مستفلة أو حروفاً مستعلية ، أو حيث الإيحاءات بحسب اختلاف أنواع هذه الحروف واختلاف تأثيراتها ، أو من أي ناحية من النواحي ، فجاءت الكلمات منسجمة من حيث النظر إلى هذه الحروف انسجاماً عجيباً ، فلو حاول أحد أن يقلد القرآن بأن يأتي بمثل هذا الكلام بحيث تكون الحروف منسجمة هذا الانسجام من حيث المخارج ومن حيث الأنواع ومن حيث الإيحاءات الصوتية والإيحاءات النفسية فإنه سيؤدي به الأمر إلى أن يهمل المعاني ولا تكون لكلماته والحروف التي تتركب منها أية معاني .
أما الجمع بين المعاني وبين هذا فإنه عسير ، ونحن نرى كيف جاءت الحروف حتى من حيث تراكيبها أيضاً موحية بالمعاني التي تشتمل عليها الكلمات التي تركبت منها في القرآن الكريم هكذا جاءت ، فنجد مثلاً في قول الله تبارك وتعالى فيما يحكيه عن إخوة يوسف عليه السلام ( قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ ) (يوسف:85) ، كيف اجتمعت الحروف الشديدة هنا ، وفي هذا الاجتماع ما يوحي بانزعاجهم من مساءلة أبيهم لهم عن يوسف عليه السلام ، فمثل هذا لا يمكن أن يجتمع في كلام آخر فلذلك حار العرب فيه .
لو جاءنا من ناحية مضامين هذه الكلمات لوجدنا أيضاً أمراً عجباً ، فإن القرآن الكريم اشتمل على التشريع المتقن العجيب مع أنه نزل على أمّي لم يكن يقرأ من قبله كتاب ولا يخطه بيمينه ، ومع ذلك جاء بهذا التشريع الذي يسع العالم بأسره ، يسع أطوار الحياة ، مع أنه من المعروف في تاريخ التشريع البشري أن التشاريع البشرية تمر بمراحل كثيرة وبتجارب مختلفة وبدراسات متنوعة ، دراسات نفسية ودراسات اجتماعية ، ومع ذلك تكون هذه التشريعات دائماً فاشلة بحيث لا يمر عليها زمن إلا ويتبين عوارها وينكشف فشلها ، وحسبكم أن التشريع الروماني كان تجربة زهاء ثلاثة عشر قرناً ، واجتمع على وضعه الخبراء المتخصصون ، وصحبت ذلك دراسات نفسية ودراسات اجتماعية ، وأين هو من التشريع القرآني الذي عجزت ملكات البشر جميعاً أن تأتي بمثله ، سواء من الناحية الاجتماعية أو من الناحية الاقتصادية أو من الناحية السلمية أو الحربية ، أو من أي ناحية من النواحي ، بل الناس جميعاً يُضطرون إلى أن يرجعوا إلى هذا القرآن وإلى أن يعترفوا بهذا القرآن ، حتى أن ( كاسترو ) الشيوعي الراديكالي المتعصب قال قبل بعض سنوات ( ما بقي أمام العالم الآن إلا النموذج القرآني ) ، هذا اعتراف بالحقيقة ، وهذا ما ينادي به العقلاء به في كل مكان أنه لا بد من الاستفادة من القرآن .
إذا جئنا إلى الأخبار كذلك ، نجد الإعجاز الخبري تحار منه الألباب ، بل نجد أن الله تبارك وتعالى أخبر بأشياء لم تكن تدور بخَلَد أي أحد من الناس وإذا بالأمر يأتي طبق ما أخبر به القرآن ، ناهيكم بما أخبر الله تعالى به مما ينبئ عما وصل إليه الصدام المسلح بين الروم والفرس ، وأن الروم هُزموا والفرس غَلبوا ، ولكن ستنقلب الموازيين وفي خلال بضع سنين سيتحول الغالب إلى مغلوب والمغلوب إلى غالب (غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ) (الروم:2-5)
وهذا كان في العام الخامس من بعثة النبي صلى الله عليه وسلّم ، عندما تمكن إمبراطور فارس من إمبراطور الروم حتى ما بقي عند إمبراطور الروم إلا العاصمة القسطنطينية فقط وإذا بالأمور تنقلب رأساً على عقب ، فيتمكن هرقل أن يخرج من عاصمته بعد حيلة احتال بها ، وإذا به يلملم من الديار التي احتُلت منه جيشاً ويذهب إلى عاصمة الفرس ( المدائن ) ويدخلها ويغرز علم النصر على قصور المدائن ، ويأخذ ابن كسرى ويحلق رأسه وكانت هذه إهانة كبيرة عندهم ، وإذا بالأمور تنقلب كلها رأساً على عقب .
فهذا لا يمكن أن يكون من حديث البشر ، إنما ذلك كما يقول أحد المفكرين : هو شأن من يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل .
هذا الحديث لم ينزل إلا ممن يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل ، فهو القادر على أن يحوّل الغالب إلى مغلوب والمغلوب إلى غالب .
ونحن نرى في عصرنا هذا أصحاب الخبرات المختلفة والدراسات المتنوعة والإمكانات التي بهرت العالم ، نراهم يتحدثون بحديث ويأتي القدر بعكس ذلك تماماً ، وأذكر أنه لما كانت المعارضة في إيران ضد ( الشاة ) أدلى ( كارتر ) الرئيس الأمريكي في ذلك الوقت بتصريح وقال فيه ( بأن المؤشرات تدل على أن الشاة سينتصر على المعارضة ) .
ولم يأت شهر بعد هذا إلا وخرج على حسب ما هو معروف .
فدليل أي شيء هذا ؟ دليل على أن البشر لا يمكن أبداً أن يتحدثوا عن المستقبل حديث الجازم القاطع وأن يكون الواقع كما يتحدثون ، لأن الغيب لله تبارك وتعالى وحده . فهذا من أسرار القرآن الكريم .
ثم أخذ يتطور اكتشاف الناس لإعجاز القرآن طوراً بعد طور ، فمع تطور المعارف والاكتشاف العجيب الذي اكتشفه الناس من حقائق هذا الوجود وأسراره التي لم تكن تدور ببال أحد فيما قبل ، مع هذا انتصب نوع آخر من إعجاز القرآن تجلى للناس ، فظهرت منارة القرآن الكريم شاهقة في هذا ، وهذا ما أنبأ الله تبارك وتعالى به عندما أنزل القرآن حيث قال ( قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ * سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ * أَلا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ أَلا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ ) (فصلت:52-54) .
فالله تعالى يعد هنا بأنه سيكشف آياته للناس في الآفاق وفي الأنفس حتى يتبين لهم أن هذا القرآن حق من عند الله ، وهذا الذي وقع فعلاً واعترف المعترفون بذلك .
فقبل عقود من السنين ظهر أحد الأطباء الفرنسيين بكتاب سماه ( العلم في التوراة والإنجيل والقرآن ) ، وهو الدكتور ( موريس بوكاي ) وهو جراح فرنسي ، وأراد أن يدرس العربية فدرس القرآن الكريم ، وهاله ما وجده في القرآن من الإعجاز ، فأراد أن يعرف هل مثل ذلك يوجد في ما نزل من الكتب السابقة ، فرجع إلى العهدين ( القديم والجديد ) ودرسهما واستعان بالخبراء في شتى المجالات ، فهو اعتمد على خبرته الطبية لأنه طبيب ، واعتمد في بقية المجالات على الخبراء ، خبراء الفلك وخبراء علم الجيولوجيا وخبراء علم الزراعة وغيرهم ، ووجد ما في القرآن يتفق تمام الاتفاق مع معطيات العلم الحديث واكتشافاته ، وعندما رجع إلى العهدين ( القديم والجديد ) تبين له أن ما فيهما من الحديث عن الحقائق الكونية قليل ، ومع هذه القلة فإنه يتصادم مع هذه الحقائق المكتشفة ، وهذا أوصله إلى قناعة بأن القرآن الكريم هو الكتاب الوحيد الذي بقي كما أنزله الله ، لم تطله أيدي المحرفين والمبدلين ، وصرح بذلك في كتابه هذا الذي سماه ( العلم في التوراة والإنجيل والقرآن ) ، وقد كان باللغة الفرنسية ثم تُرجم إلى الإنجليزية ثم تُرجم إلى العربية وانتشر كثيراً هذا الكتاب .
وألف كتاباً آخر بعنوان ( الإنسان في القرآن ) وكان ذلك قبل إسلامه ، ثم أسلم بعد سنين من هذا .
هذا كله يدل على أن القرآن الكريم هو عجب من حيث الإعجاز الذي يتجلى .
نحن يكفينا أن نشير إلى نقطة الناس ما كانوا يتصورون قبل نحو قرنين من الزمن أن الجنين يتكون من نطفة الرجل ونطفة المرأة ، كانوا يتصورون أنه من نطفة الرجل ، حتى أنهم كانوا يتصورون قبل نحو ثلاثة قرون من السنين أن نطفة الرجل التي يقذفها تشتمل على كائن هو كالإنسان تماماً ، يعني إنسان مصغر في هذه النطفة بكل جوارحه ، ثم ينمو بعد ذلك بعدما يقذف في الرحم ، هكذا كانوا يتصورون ، والقرآن بيّن خلاف ذلك قبل أربعة عشر قرناً أو أكثر من الآن ، وقبل اثني عشر قرناً من هذا الاكتشاف ، فالقرآن الكريم بيّن أن الإنسان خُلق من نطفة أمشاج أي أخلاط ، يقول الله تعالى ( إِنَّا خَلَقْنَا الإنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً ) (الإنسان:2) ، ومعنى أمشاج أخلاط ، أي هو مختلط ، فيه من ماء الرجل وفيه من ماء المرأة ، وهو أصله من هذه الخلية الصغيرة لكن تجتمع بعد ذلك الخلايا التي تتكون من ماء الرجل وتتكون من ماء المرأة فيتكون هذا الإنسان .
كذلك من حيث الإخبار عن المراحل التي يمر بها الجنين ، فالله سبحانه وتعالى يقول ( وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنْسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ) (المؤمنون:12-14) .
من كان يعرف هذه الأطوار التي يمر بها الجنين هكذا ، من كان يدركها ؟ بل من كان يستطيع أن يتصور الرحم كما هو بحيث إن الله تعالى وصفه بأنه قرار مكين ، فالقرار مكان الاستقرار والمكين من المكانة ، وهكذا طبيعة الرحم سواء من حيث ما جعله الله سبحانه محيطاً به من طبيعة تمنع إصابة الجنين بما عسى أن يصيب الأم من اللكمات أو الهزات ، وما على باب الرحم من إفرازات تقضي على الجراثيم التي لولاها لتسربت إلى داخل الرحم وأودت بهذا الجنين ، فهذه من الأسرار الغريبة .
ثم التمييز بين العلقة والمضغة ، وهذا أمر حار منه لب هذا الدكتور ( موريس بوكاي ) ، أول الأمر فإنه عجز عن تصور التفرقة بين العلقة والمضغة ، ورجع إلى كتب اللغة فلم تشف له غليلا ، ثم رجع إلى التفاسير فلم تشف له غليلا ، ولكن عندما رجع إلى فقه اللغة الذي فيه الإخبار عن أسرار اللغة ، وجد ما يدل على أن العلقة مشتقة من العلوق ، والمضغة الأصل هي بمعنى الممضوغ ، المضغة الشيء الذي يمضغ ، فوصل إلى الحقيقة من خلال ذلك وهي أن الجنين في مرحلة كونه علقة يكون لاصقاً بجدار الرحم ، فهو عالق بجدار الرحم لأن باب الرحم يكون مفتوحاً ، فلو لم يلتصق بجدار الرحم لأدى به ذلك إلى الخروج ، وبعد ذلك ينسد الباب وعندئذ يكون بمثابة المضغة أي التي تمضغ ، بمثابة اللقمة التي تمضغ لأنه يتردد بين جوانب الرحم ، فتوصل إلى هذا السر العجيب ، هذا كله من دلائل إعجاز القرآن .
كذلك من حيث الإخبار عن نظام هذا الوجود وأسراره ، فالله سبحانه وتعالى أخبر عن الكون بأسره في كلمات قليلة عندما قال ( وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً )(الفرقان: من الآية2) ، وقال ( إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ ) (القمر:49) ، وقال ( وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ )(الرعد: من الآية8) ، هذا يشتمل على نظام الكون من الذرات الدقيقة بل مما تشتمل عليه الذرات من الالكترونات والنيترونات كل ذلك إنما هو بمقدار ، فالذرات مقدرة تقديراً عجيباً ، ولذلك تختلف العناصر باختلاف المقادير ما بين هذه الأجزاء الدقيقة ، ثم بعد ذلك الجزيئات ثم بعد ذلك العناصر ثم بعد ذلك المركبات ، كل ذلك بتقدير عجيب ، حتى أن الكون بأسره جعله الله تبارك وتعالى متناسقاً هذا التناسق العجيب بسبب هذا التقدير إذ يبدأ من ذراته الدقيقة إلى مجراته الواسعة .
فهذا من إعجاز القرآن الكريم حيث إنه أخبر بحقائق لم تكون تتصور للأفهام ، ولذلك عندما اكتشف المكتشفون هذه الحقائق وجدوا من ذلك أمراً عجبا .