الخميس, أكتوبر 30th, 2008 | اضيفت بواسطـة: ayman

بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، أما بعد :

 

فكذبة إبريل هي من الأدواء التي انتشرت في الأمة تقليداً للآخرين ، وهذا التقليد إن دل على شيء فإنما يدل على الهوان والضعة ، ويدل على ضعف الإيمان ، ويدل على تزعزع الثوابت في نفوس أبناء هذه الأمة الذين يسارعون في هذا التقليد الأعمى بدون مبالاة بعواقبه الوخيمة .

ونحن قد أجبنا على هذه المسألة في جواب مطوّل ، وقد انتشر هذا الجواب ونُشر عبر بعض الصحافة المحلية .

وأعجب من هذا السؤال بعد انتشار هذا الجواب هذا الانتشار الغريب .

وعلى أي حال نحن نقول بأن الكذب كله هو حرام ، الله تبارك وتعالى قال ( قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ ) (الذاريات:10) ، وفُسّر ذلك بالكذابين ، والله سبحانه وتعالى أنبأنا على أن الكذب لا يكون من صفة المؤمن ، بل هو من صفة الذين لا يؤمنون وذلك في قوله سبحانه ( إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ ) (النحل:105) ، فالله سبحانه وتعالى حصر هنا الكذب في الذين لا يؤمنون بآيات الله ، ثم حصر الكذابين في الذين لا يؤمنون بآيات الله ( وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ) ، فمعنى ذلك أن الكذب ليس من صفة المؤمن ، والحديث عن النبي صلى الله عليه وسلّم يؤكد هذا المعنى فإنه عندما سُئل عليه أفضل الصلاة والسلام أيكون المؤمن كذّابا ؟ قال : لا .

وقال صلوات الله وسلامه عليه : يُطبع على المؤمن على الخلال كلها ليس الخيانة والكذب . أي من شأن المؤمن أن ينطبع بمختلف الصفات والطبائع ولكن مع ذلك كله يتفادى الخيانة ويتفادى الكذب ، فالكذب ليس من شأن المؤمن .

وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلّم : ثلاث من كن فيه فهو منافق من إذا حدّث كذب … أول ما ذكر من صفات المنافق أنه إذا حدّث كذب .

وكذلك جاء في كتاب الله سبحانه وتعالى الوعيد الشديد للمنافقين بسبب كذبهم إذ قال تعالى ( وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ )(البقرة: من الآية10) ، إلى غير ذلك من الأدلة الكثيرة التي تدل على قبح الكذب وسوء عادة الكذب ، وتدل على أن الإنسان مطالب بأن يتحرى الصدق في كلامه ، ففي الحديث عن الرسول صلى الله عليه وسلّم يقول : إن الصدق يهدي إلى البر ، وإن البر يهدي إلى الجنة ، وإن الرجل ليصدق ويتحرى الصدق في كلامه حتى يكتب عند الله صِدّيقا . وإن الكذب يهدي إلى الفجور ، وإن الفجور يهدي إلى النار ، وإن الرجل ليكذب ويتحرى الكذب في كلامه حتى يُكتب عند الله كذّابا .

فبكل هذه الاعتبارات وبهذه الأدلة كلها تبين أن هذا الكذب غير سائغ ، على أن الكذب من أجل الممازحة كذب خطير مُتوَعد عليه ، ففي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلّم : ويل للذي يُحدّث الناس بما يضحكهم فيكذب ويل له . فهذا يدل على وعيد المزاح الذي يكون مشتملاً على الكذب . فالمزاح يباح من أجل الترويح عن النفس والتسلية لها ولكن على أن لا يكون فيه كذب فالنبي صلى الله عليه وسلّم كان يمزح ولكنه لا يقول إلا حقا .

فعندما جاءته امرأة وهي عجوز وقالت له : يا رسول الله سل الله أن يدخلني الجنة . قال لها الرسول صلى الله عليه وسلّم : إن الجنة لا تدخلها عجوز . فذهبت المرأة تبكي وتولول فناداها وقال لها : إنها لا تدخلها عجوز وهي بهذه الصفة وإنما تدخلها وهي بكر شابة . فهكذا شأن النبي صلى الله عليه وسلّم في ممازحته لا يقول إلا حقا .

كذلك جاء عنه صلوات الله وسلامه عليه أن امرأة جاءته وذكرت له شيئاً عن زوجها فقال لها : أهو الذي في عينيه بياض ؟ فذهبت إليه لتنظر عينيه وتتفقد فيهما ، فقال لها ما بالك ؟ فقالت : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلّم يقول هكذا . فقال : أليس كل عين فيها بياض .

فهذا المزاح مزاح مقبول ، مزاح فيه ترويح عن النفس وفيه ترويح أيضاً عن نفس المحَدَث ولكن ليس هو كالمزاح الذي يكون فيه الكذب .

 

على أن هذا الكذب كثيراً ما يؤدي إلى فجائع ، فقد يُحدّث أحد غيره في أول يوم من إبريل بسبب رفع الجناح في ذلك اليوم عندهم بأنه وقع على فلان كذا ، مثلاً يقال له بأنه صدمته سيارة أو سقط من عالٍ أو أصيب بكذا أو أن فلاناً ميت فينزعج لذلك انزعاجاً شديداً ، وقد يُخبَر بمثل هذا الخبر عن أعز عزيز عنده وأحب حبيب إليه وأقرب قريب إليه ولكن مع ذلك لا يبالي هذا الكذّاب بما يريد أن يتفنن في الكذب بما يزعج الناس ويعدّون ذلك شطارة ، هذا مما يسبب إقلاق النفوس ، وليس من شأن المؤمن أن يروّع مؤمنا ، فإن من روّع مؤمنا روّعه الله يوم القيامة ، فهؤلاء الذين يروّعون الناس بمثل هذه الأكاذيب إنما هم أحقاء بهذا الوعيد بالترويع من قبل الله سبحانه وتعالى .

فهذا الكذب على أي حال هو من المحارم التي يجب اجتنابها . يجب اجتناب ذلك لكل الاعتبارات ، يجب اجتناب ذلك لأنه كذب والكذب قبيح ، ويجب اجتناب ذلك بسبب أن فيه تقليداً للآخرين وليس من شأن المؤمن أن يكون متزعزعاً يسارع في تقليد الآخرين .

وهو أيضاً يجب اجتنابه من حيث ما فيه من إقلاق الناس وإرعابهم ، فلهذا كله يجب اجتنابه ، ولا يجوز أبداً بأي حال من الأحوال .

ونحن نعجب من أولئك الذي يعدّون الكذب مهارة ويعدّون التفنن فيه دليلاً على الذوق ودقة الإدراك ، هؤلاء لا يدرون بأنهم يلصقون بأنفسهم صفة ذميمة جداً ، قد كان العرب حتى في جاهليتهم يتورعون عن أن يُسجل عليهم أي كذب .

فالعرب في إبّان جاهليتهم ما كان أحدهم يرضى بأن يسجل عليه كذب لأنه يراه عاراً ، ويخشى أن يتحدث به الناس في الملأ بأن فلاناً كذب .

ولذلك عندما جاء أبو سفيان إلى بلاد الشام ، وطلب هرقل الناس من قوم النبي صلى الله عليه وسلّم بعدما وصله كتاب الرسول صلى الله عليه وسلّم الذي يدعوه فيه إلى الإسلام ، وكان في ذلك الوقت أبو سفيان سافر ومعه عشرون راكباً من مكة إلى غزة ، وجيء بهم بعدما طلبهم هرقل إليه ودخلوا عنده ، قال هرقل لهؤلاء القوم : أيكم أقرب نسباً إلى هذا الرجل الذي يظهر فيكم يزعم أنه نبي ؟ قال له أبو سفيان : أنا . فقال لأصحاب أبي سفيان : كونوا ورائه وسوف أساله عن أشياء فإن كذبني فكذّبوه . فكان يسأله عن كثير من صفات النبي صلى الله عليه وسلّم ويجيبه بصدق وبأمانة .

وأخبر عن نفسه بأنه ما كان يخشى أن يكذّبه أصحابه ، كان مطمئناً إليهم أنه لو كذب لا يكذبوه ، ولكنه بسبب شرفه خشي على مكانته عند قومه أن يحدّثوا عنه أنه كذب في هذا الموقف .

وقد انتشر هذا الطبع الذي كان في العرب حتى عند من ساكنهم من اليهود ، فنجد اليهود الذين ساكنوا العرب كيف ما كانت أحوالهم ولكنهم بقدر اختلاطهم بالعرب كانوا أيضاً يعدّون الكذب فيه نقيصة ، ولذلك قال السموأل اليهودي :

إنّا وإن مالت دواعي الهوى *** وأنصت السامع للقائل

لا نجعل الباطل حقاّ ولا *** نُلِظّ دون الحق بالباطل

نخاف أن تسفه أحلامنا *** فنخمل الدهر مع الخامل

فهو لا يخشى عقاباً في الآخرة ، ولكنه يخاف هذا الذي ذكره أن يُعتبر من السفهاء .

فهذه العادة تفشت عند العرب ، فما بال المسلمين الذين فرض الله عليهم الصدق والأمانة وحذّرهم من الكذب وقال لهم ( اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ )(التوبة: من الآية119) ، ما بال هؤلاء المسلمين يسارعون في عادات الآخرين ويرون ذلك مما يزّينهم للناس ويحببهم إليهم . أليست هذه لوثة في عقول هؤلاء ، فيجب على الناس أن يكونوا على بصيرة من أمرهم .

مصنف في: فتاوى عامة | عدد القراءات: (417) | [نسخة للطباعة] | ارسل الفتوى الى صديق