ماذا يعني بالدعوة هل يعني الدعاء أو يعني الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى ؟
هل يعني بهذا الدعاء وهو الصلاة على محمد صلى الله عليه وسلّم وعلى إبراهيم عليه السلام كما جاء في الحديث ( قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم ، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم ( .
أو يعني بالدعوة هنا الدعاء الذي جاء في قول الله تبارك وتعالى فيما يحكيه عن إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام ( رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) (البقرة:129) ، إشارة إلى النبي صلى الله عليه وسلّم ، ولذلك قال عليه أفضل الصلاة والسلام ( أنا دعوة أبي إبراهيم ) ؟ .
أنا لا أدري ما قصده بالدعوة .
فإن كان المراد بهذا الصلاة على الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام وعلى إبراهيم عليه السلام وهي الصيغة المعروفة بالصيغة الإبراهيمية ، إن كان هذا هو المراد فإن ذكر إبراهيم عليه السلام لأنه من أجداد النبي صلوات الله وسلامه عليه من ناحية ، ولأن الدعوة التي دعا بها النبي صلى الله عليه وسلّم وقام بها إنما هي امتداد من حيث الأصول ومن حيث كثير من الفروع للدعوة التي قام بها إبراهيم عليه السلام ، وإن كانت دعوته صلى الله عليه وسلّم أعم ومهيمنة على دعوات المرسلين من قبل إلا أن هذه الدعوة كانت دعوة تتفق في كثير من الفروع فضلاً عن الأصول مع دعوة إبراهيم .
أما من حيث الأصول من حيث المعتقدات فإن جميع الأنبياء جاءوا بمعتقد واحد ، إذ لم يكن هنالك تناقض بين دعوات الأنبياء ، فكل رسول إنما دعا قومه إلى عبادة الله كما يقول الله تبارك وتعالى ( وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ ) (الأنبياء:25) ، ويقول ( وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ )(النحل: من الآية36) ، وحكى الله تعالى عن نوح وهود وصالح وشعيب أنهم جميعاً قالوا لقومهم ( اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ ) ، وحكى الله سبحانه عن المسيح عليه السلام أنه قال ( اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ )(المائدة: من الآية72) .
فمن حيث الأصول تتفق الدعوة ، ولكن هناك اختلاف في الفروع ، من حيث العبادة تختلف عبادات المرسلين تختلف بعضها عن بعض ، فالمرسلون الذين سبقوا تُعبدوا بالصلاة وتُعبدوا بالزكاة ، ولكن تختلف صلاتهم عن صلاتنا ، وتختلف أيضاً قبلتهم عن قبلتنا إلا إبراهيم عليه السلام ، فقد تُعبد إبراهيم عليه السلام بأن يتوجه إلى هذه القبلة ، ولذلك تجدد بناء البيت الحرام في عهده ونادى في الناس بالحج إلى بيت الله الحرام ، فالمناسك التي تطبقها هذه الأمة إنما هي من مواريث هدي إبراهيم عليه السلام ، فلذلك تميز بأن كان يُصلى عليه مع نبينا صلوات الله وسلامه عليهما وعلى آلهما .
ومع هذا أيضاً إبراهيم عليه السلام دعا بقوله ( وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الآخِرِينَ) (الشعراء:84) ، وقد جعل الله له هذا اللسان لسان صدق بحيث يُذكر مع نبينا عليه أفضل الصلاة والسلام استجابة لدعائه ، كل ذلك إنما كان من أجل هذه المزايا التي كانت في إبراهيم عليه السلام .
أما إذا كان النظر من حيث إنه دعا مع ولده إسماعيل عليهما السلام أن يبعث الله في ذريتهما نبياً فهذا لأن كل أحد يريد الخير لذريته وينظر إلى أن حياته تمتد في حياة ذريته فلذلك يريد الخير لهذه الذرية ، فهو تطلّع إلى أن يغمر الله تبارك وتعالى عباده بخير يكون هذا الخير على يدي أحد من ذريته وكان ذلك هو رسول الله صلى الله عليه وسلّم .