الأثنين, أكتوبر 13th, 2008 | اضيفت بواسطـة: ayman

الاجتهاد إنما هو في الأمور التي لم يُنص عليها ، الاجتهاد لا يُقحم فيه الإنسان نفسه في كل مجال من المجالات .

أولاً الاجتهاد إنما هو في الأمور التي هي غير منصوص عليها في الشرع ، فما نُصّ عليه في كتاب الله أو في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلّم أو أجمع عليه السلف الصالح لا مجال للاجتهاد فيه


والأصل للفقه كتاب الباري *** إجماع بعد سنة المختار


والاجتهاد عند هذي مُنعا *** وهالك من كان فيها مبدعا


فما نُص عليه في القرآن أو نُص عليه في السنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام أو كان مما أجمعت عليه الأمة إجماعاً قطعياً بحيث كان إجماعاً قولياً وعملياً منقولاً بالتواتر القطعي فإذن في هذه الناحية لا مجال لئن يُقحم الإنسان نفسه ويقول بأنني اجتهدت .


فكيف يجتهد أحد فيما جاء من عند الله أو من عند رسول الله صلى الله عليه وسلّم والله تعالى يقول ( وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً ) (الأحزاب:36) ، ويقول سبحانه وتعالى ( مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً) (النساء:80) ، ويقول عز من قائل ( فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً ) (النساء:65) .

وقد أمر سبحانه مع الاختلاف أن يكون الرجوع إليه وإلى رسوله صلى الله عليه وسلّم ، والرجوع إليه إنما هو بالرجوع إلى كتابه الكريم ، والرجوع إلى رسوله صلى الله عليه وسلّم إنما هو بالرجوع إلى سنته الشريفة المطهرة ، فالله تعالى يقول ( فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً )(النساء: من الآية59) .

على أن كثيراً من الناس يريدون أن يُقحموا أنفسهم في مجالات الاجتهاد ، والاجتهاد لا يسوغ لكل أحد ، الاجتهاد إنما يسوغ لمن استجمع آلاته وتوافرت عنده أدواته بحيث كان متمكناً من العلوم التي لا بد من أن تتوافر عند المجتهد .
فمن ذلك أن يكون العالم المجتهد عالماً بأصول الفقه ، بحيث تكون عنده الآلة التي يتمكن من خلالها أن يعرف كيف يزن الأدلة الشرعية بموازينها ويضع كل شيء منها موضعه ، بحيث يحمل العموم على الخصوص إذا ورد خاص وعام ، والإطلاق على التقييد إذا ورد مُطلَق ومُقَيد ، والإجمال على البيان إذا ورد مُجّمل ومُبَيّن ، والمنسوخ على الناسخ إذا ورد ناسخ ومنسوخ وهكذا ، بحيث يعرف كيف يستطيع أن يزن بين الاستدلالات الشرعية .


على أن الأدلة الشرعية أيضاً تختلف ، وقد يكون دليل أرجح ، قد يتعارض دليلان ولكن أحد الدليلين أرجح لبعض الاعتبارات ، فنفس الدلالة - دلالة الأحكام الشرعية على مدلولاتها - تنقسم إلى أربع دلالات ، لأن اللفظ الوارد في كلام الشارع سواء كان قرآناً أو سنة يدل على المدلول عليه إما بعبارته وإما بإشارته وإما بدلالته وإما باقتضائه ، وهذه لا بد من الموازنة بينها ، فإذا كانت هنالك دلالة بعبارة وهنالك دلالة في دليل آخر بإشارة ، فالدال الذي دلّ بالعبارة يُقدّم على ما دل بالإشارة ، وكذلك ما دل بدلالته ، يُقّدم ما بعبارته على ما دل بدلالاته .


فإذن مهما يكن لا بد من أن يستجمع هذه الآلة التي تمكنه من النظر في هذه الأدلة الشرعية .


ومع هذا أيضاً عليه أن يكون متصوراً للفقه الإسلامي بحيث تكون عنده حصيلة فقهية ، إذ استجماع القواعد - قواعد الأصول - من غير أن يكون عنده فقه يمكنه أن يطبق تلك القواعد عليها يجعله عائشاً في عالم التنظير لا في عالم التطبيق ، فلا بد من أن يكون مطبقاً قادراً على تطبيق هذه القواعد على الفروع .

ثم مع هذا لا بد من أن يكون عنده حصيلة من علوم القرآن وحصيلة من علم السنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام سواءً من حيث الأسانيد أو حيث المتون وشرح هذه المتون .


وأن تكون عنده خبرة بالمسائل المجمع عليها لئلا يجتهد فيما أُجمع عليه .
وأن يكون مع ذلك أيضاً عنده من علم العربية ما يمكّنه من الاجتهاد ، إذ الاختلاف قد يكون لأجل نظرة في قاعدة من قواعد العربية سواءً هذه القاعدة تعود إلى البلاغة أو تعود إلى النحو أو تعود إلى التصريف ، قد تكون هذه القاعدة سبباً للاختلاف في بعض المسائل ، والمجتهد إنما يُرجّح ما يرجّحه بالرجوع إلى قواعد العربية ، فمن لم يستجمع هذه الآلات أنّى له أن يجتهد .
هذا ، ومع هذا كله أيضاً لا من أن يكون عارفاً بالسيرة النبوية ، وأن يكون عارفاً بمقاصد التشريع ، أن يكون عارفاً بمقاصد الشرع حتى يزن الأمور بموازينها ويضع كل شيء منها موضعه .