الأثنين, أكتوبر 13th, 2008 | اضيفت بواسطـة: ayman

بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، أما بعد :

 

فإن النفس البشرية غالية في موازيين الحق ، ولذلك تجب المحافظة على سلامتها ، ويجب اتقاء كل ما يؤدي إلى الإضرار بها ، فالله سبحانه وتعالى كرّم الإنسان إذ جعله خليفة في الأرض وسيداً في الكون ، وسخر له منافع الوجود من أجل أن يضطلع بأمانة الله ، ويقوم بواجب الحق في أرض الله . يقول الله سبحانه وتعالى ( وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً ) (الإسراء:70) .

فالإنسان إذن هو أمين على نفسه ، وأمين على غيره .

أمين على النفس البشرية أياً كانت ، ذلك لأن العدوان على النفس البشرية عدوان على سنة الله تبارك وتعالى في خلقه ، وعلى شريعته في أرضه ، فالله سبحانه وتعالى يقول ( مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرائيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً )(المائدة: من الآية32) ، ويقول سبحانه وتعالى ( وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُوراً) (الإسراء:33) ، ويقول سبحانه وتعالى ( وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً * إِلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً ) (الفرقان:68-70) ، ويقول عز وجل ( وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً ) (النساء:93) .

 

وكما أن الإنسان يحاسب حساباً عسيراً على قتله غيره من بني جنسه ، كذلك عدوانه على حياته بنفسه يعتبر من أكبر الكبائر التي تُبّعد عن رحمة الله سبحانه ، وتدفع بصاحبها إلى سخط الله ، فالله سبحانه وتعالى يقول ( وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً * وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَاناً وَظُلْماً فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَاراً وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً ) (النساء:29-30) .

وقد جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلّم كما أخرجه الشيخان وغيرهما من رواية أبي هريرة رضي الله تعالى عنه عن الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام أنه قال : من قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يتوجأ بها في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبدا ، ومن رمى نفسه من شاهق فقتل نفسه فهو يتردى في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبدا ، ومن احتسى سما فقتل نفسه فسمه في يده يتحساه في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبدا.

 

هذا كله مما يدل على أن الإنسان يجب عليه أن يحافظ على سلامة نفسه ، ويجب عليه أن يحافظ على سلامة مجتمعه ، وأن يحافظ على سلامة بني جنسه ، وأن لا يتسبب في إزهاق روح نفسه ولا روح أحد من بني جنسه .

 

ومن المعلوم أن قائد السيارة هو أمين على نفسه عليه أن لا يدفع بها في مظان الخطر ، بل عليه أن يجنبها ذلك ، كما أنه أمين على الركاب الذين يركبون معه ، وهو أيضاً أمين على المشاة في الطريق ، وهو أمين على أصحاب المركبات الأخرى ، عليه أن يحذر كل الحذر من كل يؤدي إلى عطبه بنفسه ، أو إلى عطب أحد من الركاب في مركبته ، أو عطب أي أحد ممن يمشون في الطريق أو من الذين يركبون المركبات .

على من كان قائداً للمركبة أن يحافظ على هذه الأمانة .

وهذا التهور العجيب ، وهذا الاندفاع الغريب إلى الإسراع الجنوني الذي لا ينتج عنه إلا الخسارة في الأنفس وفي الأموال ، لا ينتج عنه إلا إزهاق الأرواح وترميل النساء وتيتيم الأولاد وإثكال الأمهات ، لا ينتج عنه إلا هذا الشر الوبيل مع ما ينتج عنه أيضا من وجود عدد هائل من الذين يصابون بعاهات في أجسامهم بسبب حوادث المرور ، هذا الإسراع الجنوني إنما هو يعد نحراً وانتحار ، فالإنسان الذي يسرع بهذه الطريقة يعد ناحراً لغيره ومنتحراً بنفسه ، فهو يبوء بالوزرين و، يتحمل عاقبة ما يصيبه بنفسه وما يصيب غير ، فهو يبوء بوزر قتله لنفسه ، ويبوء بوزر قتله لغيره لأنه في حكم المتعمد ما دام يعلم أن هذا الذي يفعله يؤدي إلى الموت الزؤام ، يؤدي إما إلى إزهاق روحه وإما إلى إتلاف أرواح الآخرين من الركاب الذين معه ، أو من الركاب في المركبات الأخرى ، أو من المشاة الذين يمشون في الطريق ، فإنه لو فوجئ بأحد يمشي في الطريق سواءً كان صغيراً أو كبيراً عاقلاً أو مجون لا يملك أن يسيطر على سيارته مع هذه السرعة الجنونية التي تفضي به إلى هذه المخاطر ، فمن هنا كان هو في حكم المتعمد لقتل غيره ، كما أنه في حكم المتعمد لقتله لنفسه .

 

وهذه المركبات نعم من الله تبارك وتعالى ، ولكن نعم الله يجب أن يحافَظ عليها ، وأن لا تُستغل فيما يسخط الله سبحانه وتعالى ، وأي شيء يسخط الله أعظم من أن يكون الإنسان سبباً لإزهاق روحه أو سبباً لإزهاق أرواح الآخرين من بني جنسه ، إنما هذا مما ينافي حكمة الله تبارك وتعالى من تكريمه في هذا الإنسان وجعل حرماته حرمات عظيمة وجعل حياته ذات قيمة عظيمة.

 

وأي نعمة من نعم الله تبارك وتعالى عندما لا تُشكر ، عندما تكفر ، تعود نقمة ، تعود وبالاً على صاحبها بدلاً من أن تكون نعمة هنيئة سابغة على صاحبها تعود وبالاً عليه والعياذ بالله .

 وإن من كفران النعم المركبات هذه السرعة الجنونية وهذا التهور في قيادة السيارات وهذا السابق المحموم الذي لا ينتج عنه إلا مثل هذه الخسارة التي تمنى بها الأمة بأسرها .

 

فمن هنا كان لزاماً على كل من يقود السيارة أن يكون قبل كل شيء مدركاً لمسئوليته العظيمة التي يتحملها ، فإنه مسئول عن نفسه ومسئول عن غيره .

 

وقد سمعت عن أحد السوّاق في إحدى البلاد الإسلامية كان يقود سيارته - أو سياراته - لمدة خمسين عاماً ولم يقع منه حادث قط ، ولم يقع عليه حادث قط ، فسُئل بعد مرور نصف قرن من الزمان وهو يشتغل هذا الشغل ما الذي جعله يستطيع أن يسوس نفسه هذه السياسة الحكيمة بحيث إنه جنب نفسه الحوادث ، فرد على ذلك قائلاً : إنني عندما أمسك المقود أحس أنني مسئول عن كل أحد ، وأن الآخرين جميعاً هم مجانين غير عقال ، فالسوّاق الآخرون هم مجانين ، والمشاة في الطريق هم مجانين ، وكل أحد لا يستطيع أن يدفع عن نفسه الأذى وإنما أنا مسئول بأن أدفع عن أنفسهم وعن نفسي الأذى .

 

فإذن يجب على كل من يسوق سيارة أن يكون هكذا بحيث يحرص كل الحرص على أن تكون قيادته قيادة سليمة ليس فيها شيء من التهور قط ، والله تعالى المستعان .