بئس ما يفعل الإنسان أن يشهد شهادة زور ، الشهادة أمانة كبيرة ، ومسئوليتها مسئولية عظيمة ، وقد أمر الله تبارك وتعالى بالعدل في الشهادة وفي غيرها حتى ولو كان أحد الطرفين والداً او قريباً ليس له أن يحيف على الطرف الآخر وأن يوفّر لهذا الطرف ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا )(النساء: من الآية135) ، فلا دخل للقرابة ، ولا دخل للأبوة ، ولا دخل للأمومة ، ولا دخل أيضاً لمراعاة فقر فقير ، أو مراعاة حاجة محتاج ، إنما الشاهد عليه أن يشهد بالعدل .
وكذلك في الطرف الآخر الإنسان عليه أن يكون عادلاً حتى مع ألد الخصوم يقول سبحانه وتعالى ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى )(المائدة: من الآية8) ، فهذا الذي يشهد شهادة زور إما أن يكون الدافع له إلى هذه الشهادة ما بينه وبين المشهود له من قرابة أو محبة أو مودة أو مراعاة فقر أو غير ذلك ، أو أن يكون الدافع له إلى هذه الشهادة - شهادة الزور - ما بينه وبين المشهود له من العداوة ، ونحن نرى أن القرآن الكريم على كلا الأمرين قطع دابر شهادة الزور ودابر الجور في الشهادة وفي الحكم ، إذ أمر أن يكون الناس قوامين بالقسط شهداء لله ، وأن يكونوا قوامين لله شهداء بالقسط ، هذا مما يدل على ضرورة أن يلتزم الإنسان كلمة الحق في شهادته .
ثم نجد أن الله سبحانه وتعالى عندما وصف عباده - عباد الرحمن- قال في وصفهم ( وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَاماً) (الفرقان:72) ، ونجد الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلّم عندما عدّد الكبائر وأتى على شهادة الزور وقول الزور أخذ يكرر ذلك ويقول ( ألا وشهادة الزور ألا وقول الزور ) حتى أن الحاضرين تمنوا أن يسكت ، وذلك لأجل التغليظ في أمر شهادة الزور وخطورتها ، فما لهذا الإنسان يشهد شهادة زور .
على أي حال باب التوبة مفتوح ، فالله تبارك وتعالى أمر أن يُيئس أحد من التوبة إن تاب مخلصاً لله يقول الله سبحانه وتعالى ( قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ * وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ * أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ * أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ * أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ) (الزمر:53-58) .
فالإنسان يُطلب منه أن يبادر إلى التوبة ، والتوبة في هذا أولاً قبل كل شيء أن يندم على فعله ، وأن يقلع عن هذا الفعل ، وأن يعقد العزم على عدم العودة إليه ، وأن يستغفر الله تعالى منه ، ومع ذلك يجب عليه أن يتخلص من الحق لصاحبه ، فعليه ضمان من أتلفه بشهادته التي شهدها ، عليه أن يطلب الشخص المشهود عليه أو المشهود ضده وأن يتخلص منه بأداء حقه إليه كاملاً غير منقوص من ماله مع إعلان الحق والبراءة من الباطل .