الأحد, أكتوبر 12th, 2008 | اضيفت بواسطـة: ayman

بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، أما بعد :

 

فإنه يجب على كل مسلم أن يهيئ نفسه بأن يكون داعية . إذ الدعوة إلى الله تبارك وتعالى إنما هي قيام بحق الإسلام ، لأن الله فرض على هذه الأمة بأن تكون أمة دعوة عندما قال عز من قائل ( وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) (آل عمران:104) .

فنجد أن الله فرض على الأمة ذلك في قوله ( وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ) ، إذ ( من) هنا ليست للتبعيض ، وإنما هي للبيان ، ومعنى ذلك أن هذه الأمة يجب أن يكون ذلك شأنها .

ومن ناحية أخرى فإن الله تعالى حصر الفلاح في هذا النوع من الناس عندما قال ( وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ )(آل عمران: من الآية104) ، حيث عرّف المُسنَد والمسند إليه ووسّط ضمير الفصل بينهما وهذا مما يقتضي القصر ، فإذن معنى هذا أن يكون كل مسلم مطالب بأن يكون داعية ، ولكن كيف يكون المسلم داعية ؟

أولاً قبل كل شيء يجب أن تكون الدعوة على بصيرة كما يقول الله تبارك وتعالى ( قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرة أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي )(يوسف: من الآية108) ، فالداعية يجب عليه أن يكون على بصيرة . هذه البصيرة لها مفهوم واسع ، لها آفاق بعيدة ، إذ البصيرة لا تنحصر في جانب دون جانب ، فمن ناحية عليه أن يكون خبيراً بالحكم الشرعي في ما يدعو إليه ، ولذلك قال من قال من أهل العلم بأنه لا يكون الإنسان آمراً بالمعروف ناهياً عن المنكر حتى تجتمع فيه ست خصال :

أن يكون عالماً بما به يدعو ، عالماً بما عنه ينهى ، فاعلاً لما إليه يدعو ، تاركاً لما عنه ينهى ، عدلاً فيما يأمر به ، عدلاً فيما ينهى عنه.

لا بد من اجتماع هذه الخصال جميعاً في من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر .

فالبصيرة إذن لا بد فيها من فهم وإدراك وفطنة ، لا بد من أن يكون عارفاً بحكم ما يدعو إليه عند الله ، إذ الجاهل الذي لا يميّز بين الحق والباطل أو بين الرشد والغي ، أو بين الصلاح والفساد إنما يكون ضرره أكثر من نفعه ، فلربما دعا إلى أمر يتصور أنه الحق وأنه الهدى وأنه الرشد وهو في واقعه خلاف ذلك فهو الباطل وهو الضلال وهو الغي .

ومعنى هذا أنه لا بد من أن يكون فقيهاً في دين الله تبارك وتعالى ولذلك نيطت الدعوة بالفقه في قوله سبحانه وتعالى ( وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ) (التوبة:122) ، فنرى في هذه الآية الكريمة كيف جاء ارتباط الإنذار - وهو الدعوة إلى الله - بالفقه في دين الله .

كذلك من الضرورة بمكان أن يكون الداعية أيضاً مُلماً بأحوال عصره وأحوال مجتمعه بصفة خاصة .

أما الإلمام بأحوال العصر فنحن نجد أن القرآن الكريم عندما كان يهيئ هذه الأمة لئن تتلقى رسالة الإسلام وأن تقوم بواجب إبلاغ هذه الرسالة إلى العالمين جاء بما يخرج بها من الضيق الذي كانت فيه إلى الآفاق الواسعة ، جاء ليخرج بفكرها من ذلكم الضيق الذي كانت عليه العرب إلى آفاق العالم ، بحيث إنها نُبّهت - أي هذه الأمة - بأنها يجب عليها أن تتبع ما يجري في العالم الفسيح لتكون على بيّنة من أمر هذا العالم ، ولتكون قادرة على استيعاب أحوال هذا العالم وهضمها وفهمها حتى تضع كل شيء موضعه .

فنحن نجد في مرحلة مبكرة من تاريخ الدعوة الإسلامية عندما كان المسلمون قلة ، وكانوا كما قلنا مغمورين بالكثرة الكاثرة من المشركين ، وكانوا مع ذلك يتعرضون مع ذلك لأنواع الأذى والمضايقة من قبل المشركين ، في ذلك الوقت نزل على النبي صلى الله عليه وسلّم قوله الله تعالى ( غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ )(الروم: 2-5) ، نحن نرى كيف أن القرآن الكريم نزل هنا ليخبر المؤمنين بما آل إليه الصدام المسلح ما بين دولتين كبريين كانتا تتقاسمان معظم العالم المتحضر في ذلك الوقت ، وما سيؤول إليه هذا الصدام فيما بعد بحيث يتحول الغالب إلى مغلوب والمغلوب إلى غالب ، ( وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ) ، أي يفرح المؤمنون بما يتحقق أيضاً على أيديهم من نصرة هذا الدين الحنيف ، فالله تبارك وتعالى ينصرهم وينصر بهم الدين في نفس الوقت الذي تنقلب فيه الموازين ويتحول الغالب إلى مغلوب والمغلوب إلى غالب ، فإن انتصار الروم على الفرس كان في نفس العام الذي انتصر فيه المسلمون على المشركين في غزوة بدر الكبرى التي كانت غزوة فاصلة بين عهدين من عهود المسلمين عهد الضعف وعهد القوة ، عهد توجس الخيفة من المشركين وعهد الاعتزاز بقوة الإسلام وإدراك أن المسلمين بمشيئة الله تعالى مقبلون وقادرون على مواجهة أعدائهم .

ما كان الداعي لئن ينزل قرآن يتلى في العام الخامس من بعثة الرسول صلى الله عليه وسلّم مع قلة المؤمنين في ذلك الوقت ليخبر هؤلاء القلة بما آل هذا الصدام المسلح ما بين دولتين ما كان يعنيهم من أمرهما شيء إذ لم يكونوا واقعين تحت سيطرة أي دولة من الدولتين ، المسلمون كانوا بمكة ولم تكن مكة المكرمة واقعة تحت سيطرة الروم ولا تحت سيطرة الفرس ، فما كان الداعي لئن ينزل قرآن يتلى في الصلوات وفي غيرها ليخبر بما آل هذه الصدام وما سيؤول إليه في المستقبل لولا أن الله أراد لهؤلاء أن يكونوا عالميين يتابعون ما يجري في العالم أولاً بأول ليتهيئوا بذلك لنشر دعوة الحق في هذا العالم الفسيح ، لأنهم من خلال خبرتهم بالعالم ومعرفتهم بالعالم ودراستهم لأحوال العالم ومتابعتهم لأحداث العالم يكونون قادرين على التكيف مع أحداث العالم بما يخدم الدعوة الإسلامية ، فهكذا كان الأمر ، وهذا يعني أن على الداعية إلى الله تعالى أن يكون خبيراً بعالمه الذي يعيش فيه ، أن لا يكون يعيش في عهد القرون الغابرة وهؤلاء لا يُلم بأحوال عصره وإنما عليه أن يكون مُلماً باحوال عصره ، فهذا من الضرورة بمكان .

كذلك من الضرورة بمكان أن يكون الداعية موطّناً نفسه للأذى الذي يلقاه من المدعوين ، فإن الداعية أول من يتنكر له ويقف في وجه دعوته ويحاول الصد عن هذه الدعوة من كان أقرب قرابته وأخص خاصته هكذا سنة هذه الحياة .

فنحن نرى أن الدعوة قد تؤدي إلى الصدام ما بين الرجل بامرأته ، وما بين الولد بوالده والوالد بولده والمرأة بزوجها والقريب بقريبه ، والتاريخ يقص علينا أنباء هؤلاء الدعاة ، والقرآن الكريم قبل كل شيء ينبئنا بذلك ، فالله تبارك وتعالى ذكر في كتابه الكريم قصة نوح عليه السلام الذي لبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما وذكر أن ممن عصاه ابنه ، وأنه عندما قال ( رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي )(هود: من الآية45) رد الله تعالى بقوله ( إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ )(هود: من الآية46) ، كذلك ذكر القرآن الكريم قصة امرأتي النبيين الصالحين ، امرأتي نوح ولوط ماذا كان من أمرهما ( ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَقِيلَ ادْخُلا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ ) (التحريم:10)  ، وفي المقابل ضرب الله مثلاً للذين آمنوا امرأة فرعون ، كانت تحت قهر ذلك الطاغية العنيد ، ولكن مع ذلك شقت طريقها في الاستمساك بالدين والتمسك به والدعوة إليه مهما كانت الظروف صعبة ، وهذا يدل على أن الإنسان عندما يدعو إلى الله يصطدم بمن هو أقرب إليه من غيره .

كذلك قص الله علينا نبأ إبراهيم عليه السلام ، فإن أشهر من وقف في وجهه وأعرض عن دعوته وتنكّر لهذه الدعوة والده ، وهذا واضح في قوله الله تعالى ( وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَبِيّاً * إِذْ قَالَ لأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً *يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطاً سَوِيّاً * يَا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيّاً * يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيّاً * قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيّاً * قَالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيّاً * وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيّاً ) (مريم:41-48) ، فهكذا كان الخلاف ما بين الوالد وولده بسبب الدعوة .

إذا جئنا في عهد نبوة نبينا صلى الله عليه وسلّم نجد أن من أعلن العداوة له والصد عن دعوته وتكذيبه بما جاء به عن الله تعالى كان من أقرب قرابته ومن أخص خاصته ، كان أول من أعلن وجاهر بالكفر بهذه الدعوة إنما هو عمه أبو لهب ، فالله تعالى أنزل سورة تحمل ذلك الوعيد الشديد له ذلك ، لأنه وقف في وجه النبي صلى الله عليه وسلّم عندما صعد الصفا وأعلن في قريش واصباحاه ، فقالت إن بالرجل أمراً والتفوا حوله فقال لهم : أرأيتم أن لو أخبرتكم أن خيلاً وراء هذا الجبل مغيرة عليكم أكنتم مصدقي ؟ قالوا له : ما جربنا عليك كذبا . قال لهم : إني نذير لكم بين يدي عذاب شديد . فبادره عمه أبو لهب بمبادرة السوء إذ قال له : تباً لك سائر اليوم ألهذا جمعتنا . فأنزل الله تعالى فيه ما أنزل ، فإذن هكذا شأن الدعوة .

فالداعية عليه أو يوطّن نفسه ، وأن يستهين بالتعب الذي يلقاه والأذى يلقه والعنت الذي يلقاه من المدعوين إلى أن تؤتي الدعوة ثمارها .

والقرآن الكريم قص علينا أنباء المرسلين الذين كانوا أعمق الناس إيماناً وأرسخهم يقيناً وأمضاهم شكيمة وأشدهم عزيمة ، هؤلاء المرسلون مع ما كانوا عليه كانوا يصل بهم الأمر إلى مشارفة اليأس من العنت الذي يلقونه من قبل خصومهم ، فالله تبارك وتعالى يقول ( وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلا رِجَالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلا تَعْقِلُونَ * حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ * لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُولِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ) (يوسف:109-111) .

هذا والداعية عليه أيضاً أن يكون حكيماً في دعوته ، فالداعية بمثابة الطبيب ، الطبيب يعطي المريض الجرعة التي يكرهها من أجل شفائه ، ولكن عندما يعطيه هذه الجرعة إنما يعطيه إياها بلطف وبرفق حتى يقنعه بتقبلها ، فهو لا يفرضها عليه فرضا ، وإنما يطالبه بأن يتناول هذه الجرعة بأسلوب يروق له وبأسلوب يجتذبه .

فهكذا ينبغي أن يكون الداعية ينبغي أن يقنع هؤلاء المرضى الذين يعالجهم ، ولهذا قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلّم ( ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ) (النحل:125) ، وقال عز من قائل ( وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ) (فصلت:34-35) ، فالداعية هكذا يؤمر أن يتلطف بالمدعوين بحيث يكون مؤلفاً لا منفّرا ومقرّباً لا مبعّدا ومحبّبا لا مبغضّا .

ونحن نرى أن الأدب القرآني في الدعوة أدب رصين ، أدب بلغ الغاية ، أولاً قبل كل شيء يكفي ما نجده في كتاب الله تعالى من تعليمنا الإنصاف عندما ندعو الآخرين ، فالله سبحانه وتعالى بماذا يأمر نبيه صلى الله عليه وسلّم أن يقول في مواجهة عنت المشركين وتحديهم ومعصيتهم وكفرهم وإصرارهم على مواقفهم الباطلة كان يقول ( وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ )(سـبأ: من الآية24) ، ثم بعد هذا يأتي ما هو أبلغ من ذلك ( قُلْ لا تُسْأَلونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا )(سـبأ: من الآية25) ، مع أن النبي صلى الله عليه وسلّم لم يكن مجرماً قط حاشاه عن ذلك . ( وَلا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ)(سـبأ: من الآية25) لم يقل ( عما تجرمون ) وإنما قال عما (عَمَّا تَعْمَلُونَ) ، ( لا تُسْأَلونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا)(سـبأ: من الآية25) أي أنتم تنسبون إلينا الإجرام فأنتم لا تُسئلون عن إجرامنا ، ونحن لا نُسئل عن عملكم ، هذا في منتهى الإنصاف كلام عجيب ، القرآن الكريم هكذا يعلمنا أدب الدعوة .

كذلك نجد أن الله تعالى في يحكيه عن قصة موسى وهارون في توجهيهما إلى فرعون مع أن فرعون كان بلغ من الطغيان ما بلغ بحيث ادّعى الربوبية وقال ( مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي)(القصص: من الآية38) وتجرا وقال ما قال ، ولكن مع ذلك قال الله تعالى لموسى وهارون ( فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى) (طـه:44) ، فهكذا يجب على الدعاة أن يكونوا كذلك .

ونحن تأتينا بعض الأخبار عن بعض المتحمسين للدعوة مع الأسف الشديد أنهم يستعملون الأسلوب الخشن الذي ينفّر ولا يؤلف ويبعّد ولا يقرّب ويبغّض ولا يحبّب ، ونأسف لهذا كثيراً .

نحن نقول بأن الداعية عليه أن يكون على خبرة ، أن يكون بمثابة الطبيب الذي يعطي الجرعة النافعة .

ثم مع هذا أيضاً على الداعية أن يدرك حقيقة الدعوة ، ما هي الدعوة ، وما هي مسئولية الداعية ؟

الناس تجاه الدعوة منقسمون إلى ثلاثة أقسام ، لأن منهم من هو مُفْرط في تصور الدعوة ، ومنهم من هو مُفّرّط في تصورها ، ومنهم من هو معتدل بين طرفي الإفراط والتفريط .

فأما الذين يفرّطون في تصور الدعوة أولئك الذين يزعمون بأن الإنسان غير مسئول عن غيره قط وإنما هو مسئول عن نفسه ، ولربما تأولوا قول الله تبارك وتعالى في خطابه لعباده ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ )(المائدة: من الآية105) ، وهم ما علموا معنى ( لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ) . معنى ذلك ما جاء من رواية أبي بكر رضي الله عنه ( لا يضركم من ضل إذا أنتم اهتديتم إلى أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر ) ، وإلا فلا بد من الدعوة إلى الله ، والأدلة كثيرة تدل على هذا .

ولربما قال هؤلاء بأنه أن كثير من الناس ميئوس منهم ، ولا يرجى صلاحهم فما فائدة دعوة هؤلاء الذين لا يرجى صلاحهم ، والأمر بخلاف ذلك ، الله تبارك وتعالى يقول لنبيه صلى الله عليه وسلّم ( لِتُنْذِرَ قَوْماً مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ* لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ * إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلالاً فَهِيَ إِلَى الأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ * وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدّاً فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ * وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ) (يّـس:6-10) ولكن مع ذلك عليك أن تنذرهم .

والفريق الآخر الفريق المغالي الذي يتصور أن الداعية مسئول عن هداية الناس ، مع أن الهدى بيد الله ، يؤتيه من يشاء من عباده ، وليس لأحد على أحد سلطان حتى يهديه ويحوّله من الباطل إلى الحق لأن ذلك إنما هو من أمر الله ، فالله يختص بذلك من يشاء من عباده ولذلك يقول الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلّم ( إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ )(الرعد: من الآية7) ، ويقول له ( فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ)(الرعد: من الآية40) ، ويقول له ( فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ * لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ) (الغاشية:21-22) ، ويقول الحق سبحانه وتعالى ( فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً) (الكهف:6) ، ويقول ( لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ) (الشعراء:3) .

فإذن المنهج الوسط هو أن يدعو الإنسان كيف ما كان الأمر ( إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ)(القصص: من الآية56) ، ( لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ )(البقرة: من الآية272) ، فالإنسان عليه أن يبلغ الدعوة ، وإيتاؤها ثمارها إنما ذلك أمره إلى الله ، والعبد عليه أن يمتثل الأمر وما عليه إلا ذلك ، والله سبحانه وتعالى لا يضيع أجر من أحسن عملا .

فالدعوة إن آتت ثمارها - ولا بد من تؤتي ثمارها ولو بعد حين - فإن ذلك من مصلحة الداعية .

وإن لم تؤت ثمارها لم يضره ذلك شيئاً ، وإنما أولئك الذين أعرضوا عن الدعوة هم الذين أضروا بأنفسهم ، والله تعالى المستعان .

مصنف في: فتاوى عامة | عدد القراءات: (181) | [نسخة للطباعة] | ارسل الفتوى الى صديق