الهجرة على أي حال صارت بعد بيعة العقبة الأولى ، كانت هجرة محدودة ، هاجر من هاجر إلى المدينة المنورة من أجل أن يعلّم الأنصار أمر دينهم ، هاجر مصعب بن عمير رضي الله تعالى عنه من أجل أن يبصّر الأنصار بأمر دينهم ، ثم كانت بيعة العقبة الثانية فهاجر بعد ذلك الناس أرسالاً إلى المدينة المنورة ، إذ وجد الناس الحمى الذي يحتمون به والمأوى الذي يأرزون إليه ، ووجدوا الجماعة التي يلتفون حولها .
أما النبي صلى الله عليه وسلّم فقد كانت هجرته في شهر ربيع الأول ، ولكن عندما درس المسلمون قضية التاريخ وأرادوا أن يُنشئوا لأنفسهم تاريخا كما هو الحال عند الأمم الأخرى إذ الضرورة داعية إلى ذلك لأنهم كانوا قبل هذه الفترة إنما يؤرخون بالأحداث ، فأرادوا أن يكون لهم تاريخ زمني محدد ، وقد كان ذلك في عهد عمر رضي الله تعالى عنه ، قلّبوا وجوه الرأي ونظروا بماذا يبدأون هذا التاريخ ، فرأوا أن يبدأوه بهجرة الرسول صلى الله عليه وسلّم ، لأن هذه الهجرة كان بها ميلاد الدولة الإسلامية ، فذلك رأوا أن الأمة كأنما ولدت بهذه الهجرة ، إذ كان المسلمون قبلها أفراداً متفرقين ، لم يكونوا جماعة يلتف بعضها حول بعض ، وبالهجرة صاروا جماعة يلتف بعضها حول بعض ، ثم مع ذلك وجدت لهم دولة ، وجدت لهم سياسة مستقلة ، فرأوا أن الأمة ولدت بهذه الهجرة ، فأرخوا بهذه الهجرة .
ثم نظروا بأي شهر يبدأون ، فاتفقوا على أن يبدأوا ببعد شهر ذي الحجة نظراً إلى أن شهر ذي الحجة كان هو الشهر الذي يجتمعون فيه في الحرم الشريف من أجل أداء المناسك ، وبعد هذا الشهر ينصرف كل أحد لأهله ، فرأوا أن تكون البداية بشهر المحرم أي بعد شهر ذي الحجة الذي تؤدى فيه مناسك الحج .