الأحد, أكتوبر 12th, 2008 | اضيفت بواسطـة: ayman

بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، أما بعد :

 

فإن ذكريات المصطفى عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والسلام جميعاً تنضح بالعبر وتتدفق بالعظات ، فيها الدروس الكثيرة التي يستفيدها المسلم ، لأن كل موقف من مواقفه صلى الله عليه وسلّم كان درساً لأمته ، كان درساً للإنسانية ، فهو عليه أفضل الصلاة والسلام أُرسل ليكون رحمة للعالمين ، وسراجاً للمهتدين ، وإماماً للمتقين ، ونعمة على الخلق أجمعين ، فكانت شخصيته صلى الله عليه وسلّم شخصية متميزة ما بين الشخصيات البشرية من كل ناحية من النواحي .

وقد ربّى صلى الله عليه وسلّم جيلاً من المؤمنين ، ربّاهم بعناية الله تعالى وتوفيقه على أسس قويمة من تعاليم الحق ، ربّاهم على كتاب الله وعلى هديه عليه أفضل الصلاة والسلام ، فكانوا كما وصفهم الله تبارك وتعالى في كتابه عندما قال ( مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً) (الفتح:29) ، هكذا كان هدي أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلّم لأنهم تأثروا بشخصيته صلى الله عليه وسلّم التي كانت تجسيداًًً لما جاء به من أمر الله تعالى ولما نزل عليه من أخلاق قرآنية أراد الله تعالى بها تطهير هذه النفوس من الأخلاق المذمومة .

فهجرته صلى الله عليه وسلّم كانت إجراءً ضرورياً أملته الظروف الراهنة في ذلك الوقت ودبّره القدر الإلهي حتى تتربى هذه الأمة على التضحيات العظيمة وتتربى على التوجه إلى الله تعالى في كل موقف بحيث تستلهم منه الرشد وتستنزل من قبله النصر وتعوّل عليه في التوفيق والتسديد ، تأخذ بالأسباب ، ولا يكون تعويلها عليها ، ولكن لا بد من الأخذ بها ، إنما التعويل على الله وحده الذي يدبّر الأمور ويصرّفها كما يشاء سبحانه وتعالى .

 

فالهجرة جاءت على أثر أزمة شديدة أصابت النبي صلى الله عليه وسلّم وأصابت الأمة وأصابت الدعوة التي كان يدعو بها رسول الله صلى الله عليه وسلّم ، هذه الأزمة بسبب أن عمّ النبي عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والسلام أبا طالب الذي كان يحنو عليه ويدافع عنه ويتميز في المجتمع المكي بمكانة اجتماعية مرموقة قبضه الله تبارك وتعالى ونقله من الدار الدنيا إلى الدار الآخرة ، وتلته السيدة خديجة رضوان الله تعالى عليها ، وهي من هي في وفائها للنبي صلى الله عليه وسلّم وحنوّها عليه ومواساتها له وعنايتها بشخصه ، فأصيب النبي صلى الله عليه وسلّم بأزمة شديدة ، وهكذا شاء الله سبحانه وتعالى أن تتوالى الظروف الصعاب وأن تكاد الدعوة تختنق أنفاسها في المجتمع المكي ، فشاء الله سبحانه إبّان ذلك أن تجد هذه الدعوة متنفساً لها ، وأن يكون هذا المتنفس في أرض طيبة ، وأن يكون هذا الخير يُساق من قبل القدر الإلهي إلى قبيلتين عربيتين عاشتا ردحاً من الزمن تتناحر حتى كانت الثارات والتِرات مواريث يورثها الآباء والأجداد للأولاد والحفدة فظلوا هكذا يتوارثون العداوات فيما بينهم ، وإذا بهذا الخير يسوقه الله تعالى إليهم ليجمع الشتات وليوحد الصف وليرأب الصدع وليستل من القلوب السخائم والحقاد وليخلصها من ما كانت تحمله من سُخَم الإحن والفتن لتحل محل ذلك المودة والحنان والوئام .

فجرت ظروف معينة حصل فيها ما حصل حتى تهيأت هذه النفوس لاستقبال هذا الخير ، وساق الله تبارك وتعالى إليها هذا الخير فاحتضن هذه الدعوة الأوس والخزرج بعد تناحرهما المستمر وبايعوا النبي صلى الله عليه وسلّم بيعة العقبة الأولى ، ثم تلتها بيعة العقبة الثانية في العام الثاني ، ثم كانت على أثر ذلك الهجرة إلى المدينة المنورة بحيث بدأ أصحاب النبي صلى الله عليه وسلّم أرسالاً يهاجرون إلى المدينة المنورة حيث وجدوا دفء المودة ووجدوا صدق الإخاء ووجدوا المواساة التامة من الأنصار .

وفي هذا تربية لهذه الأمة على ماذا يجب أن تتربى . إنما هذه الأمة أمة تجمعها عقيدة ، يجمعها إيمان ، تجمعها ولاية في حق الله تبارك وتعالى كما يقول الحق سبحانه في وصف المؤمنين والمؤمنات ( وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ )(التوبة: من الآية71) .

وقد أراد الله سبحانه وتعالى أن يتجسد هذا كله بهذه الهجرة ، فكان أولاً التلاحم ما بين طرفي الأنصار ، ما بين القبيلتين المتعاديتين المتناحرتين ، ثم بعد ذلك كان ذلك التلاحم بين المهاجرين والأنصار ، فكان المهاجرون يهاجرون أرسالاً مخلفين ورائهم دورهم وأموالهم وأولادهم وكل غالٍ ونفيس عندهم في سبيل الحق ومن أجل إبلاغ هذه الدعوة ومن أجل القيام بواجب نصرة الله تبارك وتعالى ورسوله كما يصفهم الله سبحانه وتعالى ( لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ ) (الحشر:8) .

والأنصار من جانبهم استقبلوا هؤلاء المهاجرين بتلكم القلوب الدافقة بعواطف المودة والإخاء ، تلك القلوب التي غمرت المهاجرين بتلكم المشاعر النبيلة ، وقد بيّن الله تبارك وتعالى تضحياتهم عندما قال ( وَالَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالإيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) (الحشر:9) .

هكذا كان شأن المهاجرين والأنصار ، حصل بينهم ما حصل من التلاحم والتراحم والإخاء والمودة والوئام وذابت تلكم الفوارق التي حصلت .

ونحن نرى كيف أن هذه الهجرة جمعت ما بين أجناس وألوان وأنواع .

جمعت ما بين العربي فإن معظم المهاجرين كانوا من العرب ، والرومي ، صهيب الرومي ، وإن كانت هذه النسبة ليست لأنه ينحدر من عنصر الروم ولكنه نُسب إلى الروم على أي حال ، وسلمان الفارسي الذي التحق من بعد أيضاً بدار الهجرة ، وبلال الحبشي رضي الله تعالى عنهم ، فكان ذوبان في بوتقة الإيمان .

كذلك جمعت ما بين نوعين من الجنس البشري ، ما بين الذكور والإناث ، إذ الهجرة كانت حدثاً اشترك فيه الذكور والإناث ، فالنبي صلى الله عليه وسلّم عندما هاجر كان معه أبو بكر رضي الله تعالى عليه ، وخلّف في مرقده علياً كرّم الله وجهه ، وآوى مع رفيقه إلى الغار ، وكانت بنت أبي بكر أسماء رضي الله تعالى عنهما هي التي تنقل إليهما الزاد مع ما حصل من كون راعي أبي بكر يغدو ويروح عليهما بالغنم حتى يشربا من ألبانها وحتى يُعفّي بآثارها على آثار تردد بنت أبي بكر إلى مكان الغار ، ثم كانت تلكم الانطلاقة .

ففي هذا ما يشحن قلب المؤمن بهذا الشحنة الإيمانية بحيث يرى المؤمن بأنه من الضرورة بمكان أن يحرص على ما يجمع شمله بإخوانه المؤمنين ، على ما يُصفّي هذه القلوب من أكدارها حتى لا تبقى هنالك آثار لشقاقٍ أو خلاف أو نزاع حصل ما بين أحد وآخر ، وإنما يجب أن يُمحى أثر جميع ذلك ، وأن تحل المودة محل البغضاء ، وأن يحل الوئام محل التفرق ، وأن يحل الوفاق محل الشقاق ، ليجتمع شمل الأمة على الخير ، هذا مع التضحية والمواساة بالمال كما حصل ذلك من الأنصار ، وكما حصل من المهاجرين أولاً الذي ضحوا بأموالهم وديارهم وأعز ما يملكون وانتقلوا إلى إخوانهم الأنصار ، ثم بجانب ذلك ما حصل من الأنصار من مآواة هؤلاء المهاجرين ( وَالَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالإيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ )(الحشر: من الآية9) ، هم لا يستقبلون هؤلاء المهاجرين بشيء من الامتعاض وبشيء من الضيق ، وإنما كانوا يستقبلونهم بالمحبة ، فهم يحبون هؤلاء المهاجرين الذين يهاجرون إليهم ، مع أن هذا عكس الطبيعة البشرية فالطبيعة البشرية مجبولة على أن يحب الإنسان دائماً أن يحظى بالتمتع بخيره بنفسه من غير أن يشاركه أحد فيه ،  والمدينة التي هاجر إليها المهاجرون مدينة محدودة المساحة ومحدودة الموارد ، هي واقعة ما بين لابتين ، ومواردها الزراعية محدودة ، ولكن مع ذلك كان الأنصار يحبون المهاجرين من أعماق قلوبهم ( وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ )(الحشر: من الآية9) ، فهذا الإيثار على النفس من أهم الأمور ، كانوا يؤثرون على أنفسهم ولو كانوا يشعرون بالفقر وبالحاجة ، ما كانوا يبالون بذلك ، وإنما كانت مودة إخوانهم المهاجرين غالبة عليهم فلذلك آثروهم على أنفسهم .

هكذا يجب أن يكون التلاحم ما بين الفئات المسلمة ، وأن يتلقى المسلمون الدرس من هذا الحدث التاريخي العظيم ليعيشوا عيشة تجسد تلكم القيم التي جاء بها الرسول صلى الله عليه وسلّم من أجل جمع شتات هذه الأمة ولم شعثها وتوحيد كلمتها .

مصنف في: فتاوى عامة | عدد القراءات: (168) | [نسخة للطباعة] | ارسل الفتوى الى صديق