بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، أما بعد :
فإن إعجاز كتاب الله سبحانه وتعالى إعجاز يتجدد ، بحيث إنه يُكتشف في كل حين جانب من منه ، وهكذا شاء الله سبحانه وتعالى أن يظل القرآن الكريم على مدى التاريخ منارة يسترشد بها العالمون ، وتظل حجته قائمة ومعجزته ظاهرة بحيث لا تؤثر عليها المؤثرات من تطورات الحياة البشرية ، وإنما هذه التطورات في كل حين يتجدد بها إعجاز كتاب الله سبحانه وتعالى ، إذ البشرية في كل حين تكتشف جوانب من هذا الإعجاز ، والله سبحانه وتعالى قد أشعر العباد بذلك عندما قال عز من قائل ( قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ * سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ * أَلا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ أَلا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ) (فصلت:52-54) .
وبالنسبة إلى تجلي الإعجاز العددي نجد من العلماء من بحث بعضاً من هذه الجوانب قبل قرون كثيرة ، فالزمخشري مثلاً في تفسيره ( الكشاف ) بحث هذا الجانب في تفسيره لأوائل السور أي لفواتح السور في تفسيره لسورة البقرة وذلك عندما ذكر الوجه الذي يقول بأن فواتح السور إنما سيقت هذا المساق من قرع العصا وتنبيه الغافلين بأن هذا القرآن نزل على نبي أمي لم يكن يقرأ من قبله من كتاب ولا يخطه بيمينه ومع ذلك فإنه أتى بهذه الكلمات في فواتح سور منه بطريقة لم يألفها إلا من كان يقرأ ومن كان يكتب ، أما الأميون وهم الدهماء من العرب وقد كان النبي صلى الله عليه وسلّم من بينهم ما كانوا يعرفون هذه الكلمات ، أي أسماء الحروف التي ينطق بها للتهجي ، وفي هذا تنبيه على أن القرآن جاء بغرابة لأنه نزل على نبي أمي في بيئة أمية وهؤلاء ما كانوا مشغولين بمثل هذه الكلمات ، وإنما كان يُشغل بها من قرأ وكتب وهم قليل ما .
ومع ذلك نجد أيضاً بحثاً جاء به الزمخشري في كون هذه السور التي افتُتحت بهذه الفواتح إنما هي تسع وعشرون سورة بعدد حروف المعجم ، والحروف المذكورة فيها أربعة عشر حرفاً أي ما يقارب نصف حروف المعجم لا ينقض إلا نصف حرف فقط ، ثم مع ذلك قُسّمت تقسيماً غريبا بحيث إنها وزعت فيها حروف المعجم بحسب صفاتها ، فمن الحروف الحلقية نصفها ومن الحروف الرخوة نصفها ومن الحروف الشديدة نصفها ومن الحروف المهموسة نصفها ومن الحروف المجهورة نصفها ومن حروف القلقة نصفها وهكذا ، جاءت هذه الحروف موزعة هذا التوزيع الدقيق .
ومع هذا كله أيضاً فإن السورة التي تُفتتح بشيء من هذه الحروف يكون ذلك الحرف أكثر تكرراً فيه من غيره ، ولما كانت الألف واللام أكثر تكرراً من غيرهما تكررتا أيضاً في افتتاح هذه السور .
هذا الذي ذكره الزمخشري ، وقد قال السيد الجرجاني في حاشيته على الكشاف بأنه لعله لم يتنبه قبل المصنف أي الزمخشري لهذا أحد من حذّاق العلماء المتبحرين .
ولكن وجدنا من العلماء من سبق الزمخشري إلى ذلك فمن بينهم القاضي الباقلاني الذي سبق في كتابه الذي يبحث عن إعجاز القرآن البياني بحيث بيّن مثل بيان الزمخشري ، وإن كان الزمخشري توسع أكثر منه .
وفي كلام بعض العلماء بأن الباقلاني أيضاً قد سُبق إلى هذا .
وهذا يعني أن العلماء المتقدمين بحثوا هذا الجانب .
ولكن جاء رجل في عصرنا ببحث شغل به الناس بحيث إنه تعاطى هذا الجانب وزعم أنه اكتشف ما لم يكتشفه غيره ، وأنه استطاع أن يرصد من خلال الحاسوب هذه الحروف ويحسبها بدقة ، وتوصل إلى أن فاتحة القرآن هي البسماة وهي تسعة عشر حرفا ومعنى ذلك أن القرآن كله يدور على هذا الرقم ، رقم تسعة عشر ، وأن عدد خزنة النار أيضاً تسعة عشر كما قال الله تعالى ( عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ) (المدثر:30) ، وذكر أمثلة لهذا ، وشغل الناس بهذا .
ولكن هذا الرجل في الحقيقة رجل به ريبة لأنه أولاً قبل كل شيء تقديسه لهذا العدد إنما هو يتبع فيه طائفة خارجة عن الإسلام ، في تقديس عدد تسعة عشر ، ثم مع ذلك أخذ يُظهر من الضلالات الشيء العجاب ، وأنا حضرت في مؤتمر حضره هو بنفسه وأتى بأفكار غريبة عجيبة يُنكر فيها ما عُلم من الدين بالضرورة ، وقد انبرى الناس في التعقيب على كلامه ، وكنت ممن تعقب كلامه أيضا ، ثم بعد حين كشف عن حقيقة أمره حيث زعم أنه رسول من عند الله ، وأنه يطالب الناس بأن يؤمنوا برسالته ، وزعم أنه هو المشار إليه في هذه الآية الكريمة من سورة آل عمران ( وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ) (آل عمران:81) ، زعم أنه هو الرسول المشار إليه . وادّعى أن معجزته هو هذا الاكتشاف الذي اكتشفه إذ قرن هذه الدعوة التي نشرها بين الناس بهذه الدراسة العددية التي يزعم من خلالها أنه توصل إلى ما لم يتوصل إليه غيره من علم أسرار القرآن .
ولكن شاء الله سبحانه وتعالى أن تطوى صفحته ، وأن ينتهي أمره ، وأن يكفي المؤمنين فتنته .
فلذلك نحن نحذر من الاغترار بمثل هذه النظريات التي تلابسها الريب ، وإنما على الناس أن يرجعوا إلى الحقائق ، فالقرآن الكريم لا يتجلى إعجازه من حيث النظريات التي قد تكون مصيبة وقد تكون مخطئة ، والنظريات دائماً تدخلها التعديلات والتغييرات فلذلك يجب أن لا يُفسر القرآن بها ، وإنما يُفسر القرآن بالحقائق العملية ، فنحن نؤمن أن القرآن اشتمل على حقائق الوجود التي لم تكن معروفة من قبل ، وقد وعد الله سبحانه وتعالى – كما ذكرنا - أن يجليها للناس ( سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ)(فصلت: من الآية53) ، وقد تبين من خلال نظر الناس واكتشافهم لآيات الله تعالى في الأنفس وفي الآفاق أن القرآن هو الحق من عند الله ، وتوصل الناس إلى الاعتراف بهذا حتى أولئك الذين لم يكونوا مؤمنين بالقرآن قط كالدكتور موريس بوكاي الذي ألف كتاباً بعنوان ( العلم في الإنجيل والتوراة والقرآن ) ، وأثبت أن القرآن الكريم هو الكتاب الذي بقي كما أنزل لم تطله أيدي المحرفين والمبدلين ، وأن ما فيه من الآيات العلمية هي آيات صريحة دالة على أنه لا يمكن أن يكون ناتجاً عن فكر بشر ، وإنما هو تنزيل من عند العليم الحميد الذي يعلم السر وأخفى .
وكانت هذه الدراسة التي نشرها قبل أن يعلن إسلامه ، ثم بعد حين أعلن إسلامه ، وكذلك ألف كتاباً آخر بعنوان ( الإنسان في القرآن ) بيّن فيه إعجاز القرآن الكريم من حيث خلق الإنسان ومن حيث بيان لحقيقة الإنسان ومغاوره النفسية ، فهذا من إعجاز القرآن الذي لا يمارى فيه .
ولكن ليس لنا أن نستجيب لكل ناعق ، وأن نسارع إلى قبول النظريات التي قد تكون صادرة من أقوام لهم مقاصد ولهم مآرب في هذه الأمة وفي كتابها .
فعلينا أن نتنبه لذلك ، ونظراً إلى ما انكشف من أمر الرجل الذي زعم أنه توصل إلى ما توصل إليه من أمر الإعجاز العددي في القرآن الكريم وآل الأمر إلى إعلان الضلالات التي تتنافى مع قطعيات هذا الدين ثم بجانب ذلك أعلن أيضاً أنه رسول من عند الله تكذيباً لكون النبي صلى الله عليه وسلّم لا نبي بعده كما نص عليه القرآن بأنه خاتم النبيين ، نظراً إلى ذلك كله نحن نحذّر من التعلق بهذا الجانب ، وندعو إلى الدراسة المتأنية وهناك وجوه متعددة يتجلى فيها إعجاز القرآن من غير هذا الوجه منها الإعجاز العملي ومنها الإعجاز التشريعي ومنها الإعجاز الأخلاقي والاجتماعي ومنها الإعجاز البياني ومنها الإعجاز الخبري وهذا واضح لمن تأمل كتاب الله تعالى .