نحن لا نستطيع أن نقول في أمر ما بغير بيّنة من الله تبارك وتعالى ، فإن الإنسان ليس له أن يتقول على الله بغير علم ، الله سبحانه وتعالى يقول ( قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ ) (الأعراف:33) .
فقد قرن سبحانه وتعالى التقول عليه بغير علم بالإشراك به ، وهو مما يدل على خطورة التقول عليه بغير علم .
نعم قد ينقدح في ذهن أحد من الناس معنى من المعاني ويريد أن يبوح بما في قرارة نفسه فلا يُمنع من ذلك ، ويقول هذا الذي انقدح في ذهني وهذا تصوري وإلا فالأمر لله .
نحن على أي حال ندرك أن الساعة آتية لا ريب فيها ، والإنسان مأمور بأن ينتظر الساعة ( وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقّ )(الشورى: من الآية18) ، فالذين آمنوا دائماً على إشفاق من قيام الساعة ، وهم مدركون أنها لا بد من أن تقوم ، على أن النبي صلى الله عليه وسلّم ذكر للساعة علامات فعندما سُئل - كما في حديث جبريل عليه السلام - عن علامات الساعة قال عليه أفضل الصلاة والسلام ( وأن ترى الأعراب الجفاة العراة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان ) ، نعم هذه هي من علامات الساعة أن يكون الناس الذين ما كانوا أولاً يحفلون بمظاهر المدنية والرقي ، وما كانوا آخذين بحظ من عمارة هذه الأرض يصبحون متطاولين في البنيان .
ومَن الذي ينكر الآن التطاول في البنيان ! هذه العمارات الشاهقة التي يُعبّر عنها بناطحات السحاب أليست هي من مظاهر التطاول في البينان ، وهذا مما وقع حتى عند أولئك الذين وُصفوا في الحديث الشريف بما وصفوا به أنهم كانوا من قبل على تلكم الحالة ، فهذا مما يؤذن بقيام الساعة .
على أن القرآن الكريم نستطيع أن نقول بأنه يشير إلى ذلك ، وإن كان المفسرون لم يحملوه في هذا الموضع بالذات على هذا المحمل ، ولكن لا أستبعد أن تكون في ذلك إشارة إلى هذا ، وهذا مما قاله أحد العلماء قبل سنين فيما رأيت وهو الشيخ إبراهيم عبد الباقي في كتاب له يُسمى ( الدين والعلم الحديث ) أشار إلى ما أريد أن أذكره ، ذلك أن الله تبارك وتعالى قال ( إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) (يونس:24) .
هذه الآية على أي حال أطبق المفسرون على أنها إنما أراد الله سبحانه وتعالى أن يضرب فيها مثلاً لهذه الحياة الدنيا في زهرتها ونظرها واختلابها القلوب وميل الناس إليها ثم كيف تنقلب بعد ذلك ، ضرب لها هذا المثل بأنها إنما هي كماء ينزل من السماء فيختلط بهذا الماء نبات الأرض وتزدهر الأرض بهذا النبات ثم بعد ذلك يأتيها أمر من الله كإعصار مُدمّر أو بركان مُحرق أو شيء من ذلك ليلاً أو نهاراً فتصبح هذه الأرض يباباً بعدما كانت روضاً نضيراً ، هذا هو قول المفسرين فيما اطلعت عليه ولم اطّلع على غير ذلك من أقوالهم .
ولكن الشيخ إبراهيم عبد الباقي كما ذكرت قال بأن الآية تشير إلى نهاية الساعة ، يكون هنالك ازدهار ، ويكون هنالك عمران ، ويكون هنالك أيضاً غرور بحيث يظن الناس أنهم سيطروا على هذه الأرض وتمكنوا فيها ، وهذا ما يتصوره الكثير الآن من خلال هذه الآلات المستجدة ومن خلال هذه القوى التي بأيدي هؤلاء فإنهم يتصورون أنهم أحاطوا بالأرض من قطريها وسيطروا عليها من كل جانب ، ولكن هذا هو منشأ الغرور ، فهنا يأتي أمر الله سبحانه وتعالى ليلاً أو نهاراً ، قال بأن ( أو ) هنا ليست تدل على الشك - تعالى الله تبارك وتعالى عن الشك - وإنما هي للدلالة على تنوع الوقت باختلاف جهات الأرض ، فإن الساعة عندما تقوم تقوم لحظة واحدة كما قال سبحانه وتعالى ( وَمَا أَمْرُنَا إِلا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ ) (القمر:50) .
فالساعة تقوم في لحظة واحدة ، تقوم في تلك اللحظة والأرض كرة ، في جزء منها يكون هنالك ليل ، وفي جزء آخر يكون هنالك نهار ، وفي تلك اللحظة تقوم الساعة على ليل عند قوم ونهار عند قوم آخرين فهذا من المحتمل ، أنا أقول بأنه من المحتمل ، أو من المحتمل أن تكون العبارة تتناول الجانبين جانب التشبيه وجانب القصد ، لأن من أسلوب القرآن البليغ الذي يتميز به على كل كلام أن لكلامه من الاحتمالات الشيء الكبير لأجل أن تُستذكر المعاني العديدة بحيث عندما يقرأ الإنسان الآية يستذكر أكثر من معنى لتلك الآية الكريمة ، وقد يراد التذكير بكل معنى من تلكم المعاني ، فلا يبعد أن يكون قوله سبحانه ( حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً )(يونس: من الآية24) ، إنما تذكير بحال الدنيا ، هكذا تنتهي الدنيا بهذا المصير الذي حدده القرآن هنا .
ويمكن أن يكون ذلك إشارة إلى تمام المثل بحيث يكون هذا من تتمة المثل الذي ضربه الله سبحانه وتعالى .
فالآية بناء على ما ذكرناه لا يبعد أن تكون مومية إلى هذا الذي حصل من الازدهار والعمران والتقدم العلمي والتقدم التقني وغير ذلك مما ظن الناس بسببه أنهم متمكنون ، وهكذا الناس هم يظنون بأنهم متمكنون يتحدثون عما يحصل من الأعاصير وعما يحصل من الزلازل وعما يحصل من الأمطار ومن الرياح وغير ذلك قبل وقوع ذلك ، ولكن مع ذلك هل استطاعوا أن يمنعوا شيئا ، هذا الزلزال نفسه ما استطاعوا أن يتصوروه قبل وقوعه بهذا المقدار ، بل ولم يتصوروا قط أن كارثة تحل بهذه السرعة ، فهذا يعني أنه مهما تقدم الإنسان ومهما أوتي من وسائل التمكين والاستخلاف في هذه الأرض إلا أنه يبقى قاصراً وقدرة الله تبارك وتعالى هي التي تحيط بكل شيء ، وهي التي تدبر كل شيء ، فما على العبد إلا أن يكون عبداً خاضعاً ذليلاً بين يدي الله سبحانه ، حريصاً على طاعته ، مسارعاً إلى مرضاته ، متحرياً لامتثال أمره ، لا يخرج عن طاعته في ما أمر به أو في ما نهى عنه .