الأحد, سبتمبر 28th, 2008 | اضيفت بواسطـة: ayman

الوصية واجبة سواءً على من قصد الحج أو على غيره من الناس ما دام واجداً لما يوصي به ، ففي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلّم التشديد في ذلك بأنه لا يحل لامرئ أن يبيت ليلتين وهو يجد ما يوصي به إلا ووصيته مكتوبة تحت رأسه . والقرآن الكريم بيّن أن الوصية واجبة على من حضره الموت ، الوصية للأقربين ، وقد دخل في النص القرآني الوالدان ولكن من العلماء من يرى أن حق الوالدين في ذلك نُسخ بآية المواريث ، ومنهم من يقول بحديث ( لا وصية لوارث ) مع الإجماع على ذلك .

ومنهم من جعل الحديث قرينة على المراد بالوالدين ، ومعنى ذلك أن الوالدين هنا هما الوالدان اللذان لا يرثان وهما الوالدان المشركان لأن لهما حق بر ولدهما بهما ولو كانا على شركهما ، فإن الله سبحانه وتعالى وصّى بالوالدين ولو كانا على حالة شرك كما يؤذن بذلك قوله عز وجل ( وَوَصَّيْنَا الإنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ * وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً )(لقمان: 14-15) ، فقوله ( وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا ) دليل على أن ما تقدم من التوصية بالوالدين يشمل الوالدين المشركين ، ويدل على ذلك قوله فيما بعد ( وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ )(لقمان: من الآية15) ، حيث أمر أن يُصاحبا في الدنيا معروفاً ولو كانا على شركهما ، فهذا مما يدل على أن شركهما لا يقطع حق أبوة الأب منهما وأمومة الأم ، فلكل واحد منهما حقه الشرعي ، فهذا الحق أيضاً يبقى ولو في حال ممات الولد فإنه يؤمر أن يوصي لوالديه في هذه الحالة ، والقول بذلك قاله جماعة من التابعين وقاله العلامة أبو الحسن البسيوي من علمائنا المتقدمين وعليه كان يعوّل شيخنا العلامة أبو إسحاق أطفيش رحمه الله تعالى وهذا القول هو من القوة بمكان .

فنرى أن هذه الوصية ليست بمنسوخة ، وإنما هي مُخَصصة بالوالدين الذين لا يرثان سواءً كان عدم إرثهما لأجل مخالفتهما في الدين ، أو كان عدم إرثهما بسبب أنهما رقيقان ، فعلى كلا الحالين لا يستحقان الإرث ولكنهما يستحقان الوصية .

 

أما الأقربون فالأقربون الذين يستحقون هذا الحق الشرعي - أي يستحقون أن يوصى لهم بهذا الحق الشرعي - فهم الأقربون الذين لا يرثون ، والدليل على ذلك أن الله تعالى قال ( كُتب ) وكتُب بمعنى فُرض ، وقال (حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ) ، ( كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ) (البقرة:180)  ، أي حق ذلك حقاً على المتقين .

وكل أحد مطالب بأن يكون في زمرة المتقين ، وإنما قوله سبحانه وتعالى في مثل هذا المقام ( حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ ) إنما هو لأجل حفز الهمم لامتثال هذا الأمر والقيام بهذا الواجب وإلا فإن هذه فريضة تلزم المتقي وغيره كما قال الله سبحانه وتعالى في تمتيع النساء بعد الطلاق ( وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ) (البقرة:241) ، فقد قال ( حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ) مع أنه حق على كل أحد ، ولكن لأجل حفز الهمم لامتثال هذا الأمر لأن كل عاقل يربأ بنفسه عن أن يكون من غير المتقين .