نعم ، الخشوع لا بد منه في الصلاة لأنه روحها كما دل الحديث على أنه عمودها ، فالصلاة بدون خشوع لا يمكن أن يكون لها أي أثر .
الصلاة شُرعت لما شُرعت له ، هي تنهى عن الفحشاء والمنكر ، ولكن صلاة غير الخاشع لا يمكن أن تنهى عن الفحشاء والمنكر ، الصلاة تقتلع من الإنسان صفات مذمومة كأنما هذه الصفات جُبل عليها الإنسان ، هذه الصلاة هي أهم عامل في اقتلاعها ، فإن الله تعالى يقول ( إِنَّ الأِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً إِلا الْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ دَائِمُونَ ) (المعارج:19-23)، فإذاً الصلاة هي أهم عامل في اقتلاع جذور هذه الصفات الذميمة من نفس الإنسان ، ولكن هذه الصلاة إنما هي صلاة الخاشع ، لا صلاة الذي يشتغل عن صلاته ، يقبل على غير ربه في صلاته ، ولئن كان انحراف القلب عن الله تبارك وتعالى في الصلاة يؤدي إلى أن تكون الصلاة غير صحيحة ، فإنه كذلك من الواضح أن يكون الاشتغال في الصلاة بالأعمال التي هي مجانبة للصلاة كأن يتلفت ذات اليمين وذات الشمال أو يرفع يديه إلى السماء مثلاً يشير إلى شيء ، أو أن يحاول أن يصلح ثيابه تارة ، أو أن ينظر إلى ساعته أو أن يفعل أي شيء ، يمارس أي عمل من الأعمال غير الأعمال المشروعة في الصلاة فإن هذه الأعمال هي منافية للخشوع .
الخشوع أن يكون الإنسان في صلاته لا يأتي إلا بالمشروع من الأعمال مع استحضار عظمة هذه الصلاة التي يمثل بها بين يدي الله تبارك وتعالى ، فهذا أمر لا بد ، أي لا بد من أن يمنع جميع الحركات عنه ، أي الحركات التي هي غير مشروعة في الصلاة ، لا بد من أن يمتنع عن هذه الحركات جميعاً ، ومع هذا أيضاً لا بد من أن يكون مستحضراً لصلاته بقدر ما يمكنه ، فليس له أن يرخي لفكره العنان من أجل أن يسرح ويفكر في كذا وفي كذا ، ومعنى ذلك أنه ليس له أن يجتنب الأفكار فإن اجتنب فكراً ما يكون في هذه حالته هذه قد أخل بصلاته لأنه أخل بالخشوع ، أما إن غلبته وساوس وغلبته أفكار فإنه عليه أن يقاومها .
وخير سبيل للمقاومة هو أن يكون كما قلت أن يحرص على أن يسبق المعنى إلى الذهن من اللفظ إلى اللسان .