الأضحية يراد منها أولاً قبل كل شيء تذكير هذه النفوس بالمحنة التي مر بها أبو الأنبياء إبراهيم وابنه إسماعيل عليهما السلام ، فقد رأى إبراهيم في المنام كما جاء في نص القران الكريم أنه يذبح ولده إسماعيل ، وعرض الأمر عليه فقال له ( يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ) (الصافات: من الآية102) كل منهما استسلم لأمر الله ، إبراهيم عليه السلام استسلم لأمر الله سبحانه وتعالى في ذبح وليده وتلك محنة شديدة قاسية على النفس وطأتها وطأة عظيمة ، وإسماعيل عليه السلام أيضاً استسلم لأمر الله تبارك وتعالى إذ لم يكن له أن يكون بمعزل عما يقتضيه هذا الأمر الرباني ، ورؤيا الأنبياء حق ، فإن رؤياهم إنما هي وحي ، ولذلك كانت هذه الرؤيا واجبة الامتثال ، ولكن الله تبارك وتعالى لما علمه من هذين العبدين الصالحين من الإخلاص وحب الخير والتفاني في طاعة الله والتضحية بأعز ما يملكان لأجل نيل رضوان الله تبارك وتعالى تداركتهما عنايته فلطف بهما سبحانه وتعالى وفدى إسماعيل عليه السلام بذبح عظيم ، فكانت تلك سنة الأضاحي في هذا اليوم العظيم من أجل تذكير هذه النفوس ، وفي هذا أيضاً ما يجعل الناس يذكر بعضهم بعضا بالخير بحيث إن الأغنياء يواسون الفقراء في هذا اليوم بما يقدمونه من هذه الضحايا .
وقد جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلّم : كلوا وتصدقوا وادخروا . أمر النبي صلى الله عليه وسلّم بأن يأكلوا وأن يتصدقوا وأن يدخروا ، وذلك بعدما منع من الادخار ، وكان منع الادخار من أجل الدافة أي التي تدف إلى أرض المدينة من البوادي ، والمراد بها الناس الذين يأتون وهم محتاجون إلى الطعام ، فأمر النبي صلى الله عليه وسلّم ألا يدخر من لحم الأضاحي وأن يعطى هؤلاء منها ، ثم بعدما وجدت الغُنية عندهم وكانوا في غير حاجة إلى هذه الأضاحي التي يضحي بها أهل المدينة وسّع النبي صلى الله عليه وسلّم لهم فقال : كلوا وتصدقوا وادخروا .
ولذلك ينبغي للإنسان أن يأكل ثلثها وأن يتصدق بثلثها وأن يدخر ثلثها ، هكذا من أجل هذا الأمر الذي جاء من النبي صلى الله عليه وسلّم ، وإن لم يدخر شيئاً بأن كانت الحاجة داعية إلى الصدقة فذلك خير ، أو كانت الحاجة داعية إلى الأكل وذلك أن يطرق الإنسان طراق من ضيوف أو غيرهم فلا مانع في هذه الحالة أن يقدم إليهم من لحوم الأضاحي حتى ولو أكلوا ذلك جميعاً ، ولكن ينبغي له ألا يفوت الصدقة عن الفقراء بحيث يعطيهم شيئاً ولو أقل من الثلث إن لم يكن بمقدار الثلث مواساة لهم ، والله تعالى أعلم .