حقيقة الأمر هذا يعود إلى عدم الوازع الديني من ناحية ، ويعود إلى عدم التربية الأخلاقية من ناحية أخرى ، فإن من تربى على الأخلاق الفاضلة ، وتربى على توقير الكبير ، وعلى الرحمة بالصغير لا يمكن أن تصدر منه هذه التصرفات ، هذه التصرفات هي تصرفات قوم شاذين خارجين عن الفطرة السليمة التي فطر الله تعالى عباده عليها ، وإنما دفعت بهم التربية السيئة إلى الإنزلاق في هذه المزالق ، والوقوع في هذه المهالك .
والإيمان حاجز للإنسان من ذلك كله ، لأن المؤمن يدرك تمام الإدراك أن الله تبارك وتعالى هو الذي خلق هذا الإنسان هذا الخلق ، هو الذي حرمه من نعمة العقل أو من نعمة وفرة العقل ، فلئن كان هذا ابتلاءً من الله تبارك وتعالى فإذن السخرية منه إنما هي سخرية من الله الذي ابتلاه هذا الابتلاء ، والله تعالى يبتلي من يشاء من عباده بالحرمان من بعض النعم كما يبتلي من يشاء من عباده بتوفير النعم فكل ذلك ابتلاء من الله ، يبتلي الله من ابتلي بنقص النعم حتى يبلو الله تعالى صبره من جزعه ، ومن وفّر نعمته فإنما يبتليه الله تبارك وتعالى ليبلو شكره من كفره
فجدير بهذا الذي آتاه الله تعالى النعمة نعمة العقل إن كان يتصور نفسه عاقلا أن يستخدم هذه النعمة في طاعة المنعم ، واستخدامها في طاعة المنعم تقتضي أن يكون حريصاً على عدم احتقار أحد من الناس وتنقيص أحد من الناس بسبب ما به من آفة أو عاهة ، فإن النبي صلى الله عليه وسلّم يقول : المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يقتله ولا يحقره حسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم . فما بال هذا الإنسان يحقر أخاه المسلم لأنه ابتلي بآفة أو عاهة ، لأنه أصيب في عقله .
على أن التسلية لا تكون بهذا ، إنما يتسلي الإنسان بالنظر في آيات الله والاعتبار بخلقه ، واستجلاء نعمه في هذه المخلوقات التي خلقها سبحانه وتعالى وسخرها لعباده فإن ذلك هو الذي يسلي الإنسان .
على أن الإنسان يعلم أن كل ما بيده من نعمة إنما هو من عند الله ، وأن الله تعالى قادر على أن يسلب منه أي نعمة من هذه النعم في أي وقت من الأوقات ، فلا يتوقف هذا السلب على إرادة الإنسان وإنما هي إرادة الله تعالى ، فالحياة نفسها تسلب من الإنسان على غير اختيار لينقلب من كونه حياً إلى كونه جثة هامدة ، وقد يتحول من العقل إلى أن يكون أقل الناس عقلا يتصرف تصرف المجانين ، وقد يكون أيضاً هذا الإنسان الذي آتاه الله تبارك وتعالى صحة في جسمه يتحول فجأة إلى مصاب بعاهة تجعله عبرة لعباد الله ، والعاقل هو من اعتبر بغيره ، والأحمق أو الجاهل هو من اعتبر به غيره ، والله تعالى المستعان .