بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، أما بعد :
فالشخص المُعَوّق ، أو المَعُوْق ، يقال فيه مَعوق ومُعَوّق ، يمكن أن تكون علته علة جسمية ويمكن أن تكون علته علة عقلية ، فإن كان ما به يتعلق بجسمه وكان عقله عقلاً وافرا بحيث لم يكن متأثراً أبداً في أفكاره ، ولم ينعكس ما به من علة على تصرفاته وعلى أعماله فإن له حرية التصرف فهو يبيع ويشتري كغيره من الناس ، وهو أيضاً يمكن أن يتزوج ويزوّج ، ويمكن أن يبرم أي اتفاق بينه وبين غيره كالذي يكون من سائر الناس ، أما إن كان الذي به أمراً يعود إلى عقله أو إلى سوء تصرفه وذلك أيضاً عائد إلى عقله فإن آفة العقل لا تنحصر في الجنون وحده وإنما هي في أنواع من الآفات التي تنعكس آثارها على تصرفات الإنسان ، فيمكن أن يكون الجنون هو الآفة ولا ريب أنه آفة كبرى ، ولربما كان أيضاً العته آفة من الآفات ، ولربما كان أيضاً بعض التصور الخاطئ وذلك بأن تكون به غرة ، وأن يكون غير قادر على تصور الأمور كما هي وهذه غفلة وهؤلاء هم الذين يعبر عنهم بالحمقى ، فهؤلاء الحمقى والمغفلون هم الذين أصيبوا بشيء من الحجاب المانع من نفاذ شعاع العقل إلى تصرفاتهم حتى تكون هذه التصرفات منضبطة انضباطاً تاما ، فهؤلاء أيضا يمنعون من التصرف بسبب هذا الآفة التي تنعكس على تصرفاتهم ، وقد يكون أحدهم غير قادر على تصور ما ينفعه أو ما يضره ، فقد يندفع فيبيع ويشتري من غير أن يفكر في مصلحته .
ومن ذلك السفه ، والسفه هو عبارة عن خفة ، هذه الخفة تؤدي بالإنسان أحياناً إلى أن لا يبالي بما ينفقه من مال سواءً كان ذلك في بيع أو اشتراء ، أو كان ذلك في إعطائه المال لغيره ، فمثل هؤلاء جميعاً لا يتركون وهذا التصرف يتصرفون كيف يشاءون ، وإنما يمنعون من التصرف بقدر ما تصان أموالهم حتى لا تكون هذه الأموال عرضة للتلف ، فإذاً العاهة التي تؤدي إلى الحجر والمنع ، منع صاحب المال من التصرف في ماله إنما هي التي تؤدي به إلى سوء التصرف ، أما إن كان به عاهة في جسمه ولا تمنعه من التصرف الحسن والانضباط في تصرفه وفي أعماله فهذه العاهة لا تمنعه من التصرف ، ، نعم إن كان ضريرا ، فالضرير قالوا بأنه يمنع من البيع والشراء إلا بواسطة وكيله لأنه قد لا يتصور ما يبيعه ، فلا يتصور قيمته إلا إذا كان هذا الذي يبيعه شيئاً منضبطاً معلوماً كالمياه مثلاً ، لأن المياه أي المياه التي يسقى بها وهي المعبر عنها بمياه الأفلاج هي منضبطة وهي معلومة ولا تحتاج إلى نظر ، فما كان غير حاجة إلى النظر بحيث لا يعود تقديره إلى النظر لا يمنع الأعمى من بيعه ، كل ما كان من هذا القبيل لا يمنع من بيعه ، وإن كان بعض أهل العلم يرى أن الأعمى الحاذق القادر على ضبط تصرفاته في بيعه وشراءه لا يمنع من البيع والشراء ، والله تعالى أعلم .