حقيقة الأمر هذه القضية قضية للعلماء مقال فيها ، ولا أزال أجد في نفسي شيئاً لم أستطع أن أصل فيه إلى ما يقنعني . فالقضية طرحت في مجمع الفقه الإسلامي في دورة من دوراته التي انعقدت في فترات ماضية ، وانقسم العلماء الحاضرون إلى ثلاثة أراء كل كان له موقف معين من هذه القضية .
منهم من أباح ذلك بضوابط ، ومن بين هذه الضوابط أن تكون هنالك ضرورة مُلجئة إلى ذلك ، وأن يكون اللقاح ما بين الحيوان المنوي من الزوج والبييضة من الزوجة ، لا أن تؤخذ بييضة من امرأة أخرى أو يؤخذ الحيوان المنوي من رجل آخر ، وأن لا يكون هنالك رحم ظئر أي لا يستأجر رحم آخر من أجل هذا الحمل ، بل أن يكون التلقيح في رحم الزوجة نفسها صاحبة البييضة ، وأن يكون ذلك على أيدي أطباء مؤمنين مسلمين متقين مأموني الجانب ، وأن تتلف الحيوانات المنوية الباقية فورا لئلا تستخدم في لقاح تختلط فيه الأنساب . هذا موقف الذين أباحوا .
أما الآخرون فإنهم قد منعوا ذلك ، أي هنالك فريق آخر ركن إلى المنع .
وفريق ثالث توقف في المسألة .
وقد كنت طرحت سؤالاً على الأطباء الذين حضروا هذه الدورة لأن من شأن مجمع الفقه الإسلامي أن يستعين بخبرة الخبراء في المجالات المتعددة ففي مثل هذه الأمور يستعين بخبرة الأطباء ، وفي المجالات الاقتصادية يستعين بالخبراء الاقتصاديين ، وهكذا في أي مجال كان يستعين بذوي الاختصاص فيه .
طرحت سؤالاً على الأطباء الحاضرين ، وقلت ما معناه بأن سنة الله تعالى اقتضت أن يكون هذا الإنسان تجتمع فيه عناصر متعددة ، وأن تكون حياته مركبة منها ، فالإنسان هو جسم وروح وعقل وقلب وفكر ووجدان وضمير وغرائز . الفكر والوجدان والمشاعر والأحاسيس هذه كلها تنبعث من الروح . الجسم مقومات ، والروح أيضاً لها مقومات ، ومن المعلوم أن اللقاء بين الزوجين عندما يتم لا يكون لقاءً جسدياً فحسب ، بل تمتزج فيه المشاعر بالمشاعر ، ويتم الانسجام بين الأحاسيس والعواطف حتى تكون عواطفهما ومشاعرهما وأحاسيسهما في ذلك الوقت كأحاسيس النفس الواحدة وذلك بأن تنصهر نفس كل واحد منهما في الآخر بسبب ما يكون من الانسجام بينهما ، لأن ساعة اللقاء بين الزوجين على فراش الزوجية هي ساعة انسجام بالغ ، فعلى أي حال مع امتزاج هذه المشاعر الذي نراه أن ذلك ينعكس على الجنين المتكون إن تكون من لقائهما هذا جنين ، فهذا الانعكاس يبدو أثره على عقلية هذه الجنين ومشاعره وأحاسيسه عندما ينشأ لأنه يستمد من المشاعر المنسجمة من أبويه في ساعة تكوينه ، فهل يمكن التعويض عن هذه المشاعر عندما يكون اللقاح بطريقة لا تلتقي فيها مشاعر بمشاعر ولا أحاسيس بأحاسيس ، فإن البييضة تُنتزع من المرأة وحدها من غير أن تكون في ذلك الوقت مشاعر زوجها معها ، وكذلك عندما يؤخذ الحيوان المنوي من صلب الرجل إنما لا تكون امرأته في ذلك الوقت مشاركة له في مشاعره وأحاسيسه ، فهل يُعوّض هذا الجنين الذي يكون بهذه الطريقة أَثَر هذه المشاعر المنسجمة ، أو ليس ذلك مما يدعو إلى القلق والخطر من أن ينشاً شاذاً ناقماً على مجتمعه حيث إنه تكون بطريقة غير الطريقة الطبيعية .
حقيقة الأمر الطبيب الذي أجاب في ذلك الوقت قال بأن الإجابة على هذا السؤال تتوقف على دراسة أحوال الأطفال الذين تكونوا بطريقة التلقيح الصناعي ، فهل هؤلاء نشأوا طبيعين ، وذلك يتوقف على معرفة أطوار حياتهم من مرحلة الطفولة إلى مرحلة البلوغ فما بعد البلوغ .
فإذاً هذا الأمر ينبغي أن يدرس بتأنٍ بالغ ، وأن يُتأمل حال هؤلاء الأطفال الذين ولدوا بهذه الطريقة أي تم اللقاح ما بين أبويهم بهذه الطريقة وهي الطريقة الخارجة عن حدود الطبيعة والاعتدال لئلا ينشأوا كما قلت شاذين في تصرفاتهم وفي أعمالهم وفي أحاسيسهم وفي مشاعرهم . هذا الذي كنت أتصوره ولا أزال أرتكز على هذه النقطة ، وأرى من الضرورة أن تُدرس ، وأن لا يُتسرع في البت في هذه القضية بدون دراستها ، والله تعالى المستعان